الأطباء متى يحاسبون على أخطائهم المهنية ؟

همكخحجح

المهنة الطبية ، مهنة انسانية ، تهدف اساسا الى خدمة الانسان وتخفيف آلامه بتقديم اقصى ما يمكن من العناية به بغض النظر عن دينه اوعنصره او معتقده . ولهذا انعقد الاجماع الفقهي والقضائي على ان التزام الطبيب تجاه مريضه هو التزام ببذل العناية اللازمة التي تتفق مع الاصول العلمية الثابتة ،والطبيب كغيره من البشر قد يرتكب خطأ في تحقيق التزامه وتتقرر مسؤولية ،فالخطأ ركن مهم في المسؤولية .فما طبيعة الخطا الطبي الموجب للمسؤولية المدنية ؟
قلنا ان أي انسان قد يخطئ مما يلحق ضررا بغيره ، فالطبيب عندما يخطئ فهو ليس كما يخطئ الانسان العادي فمهنة الطب وثيقة الصلة بحياة الانسان ، وهي ممارسة فنية اخلاقية تحتم على الطبيب الالتزام بمبادئها وتقاليدها. وقيل بحق ان لكل مهنة خصائصها واصولها الثابتة مما يتطلب من كل شخص يباشرها دراية خاصة ويعد ملزما بالاحاطة بالاصول العلمية التي تمكنه من مباشرتها وان عدم قيامه بما تفرضه عليه من التزامات يعد مخطئا مما يستوجب مسؤوليته ، فالطبيب ملزم ببذل الجهود الصادقة واليقظة التي تتفق والظروف القائمة والاصول العلمية الثابتة بهدف شفاء المريض وتحسين حالته الصحية. كما عرف الخطاء الطبي بانه “عدم قيام الطبيب بالالتزامات الخاصة التي تفرضها عليه مهنته ” واستقر القضاء على عدم مسؤولية الطبيب اذا لم يثبت مخالفته للاصول الطبية المؤكدة . واذا كان الاجماع منعقدا على ان التزام الطبيب هو التزام ببذل عناية وليس بتحقيق غاية ، الا ان هذا المبدأ لا يؤخذ على إطلاقه، فالاختصاصات الطبية متنوعة ومتعددة بتعدد فروع الطب السريرية وغير السريرية لذا فان الاعمال الطبية التي يقومون بها تكون ذات نتائج محققة وليست احتمالية كما في اعمال طبيب المختبر ، والأشعة فيكون الالتزام هنا التزام بتحقيق النتيجة . بعد ان عرفنا الخطأ الطبي ما المعيار في تقديره ؟، هناك معياران هما المعيار الشخصي بالنظر الى الشخص نفسه لا الى الفعل الضار ، والمعيار الموضوعي او المجرد فهو ان يقاس الانحراف بسلوك شخص مجرد هو الشخص العادي والذي يهمنا هنا هو معرفة المعيار المطبق في تقدير خطأ الطبيب، لقد تاثر الفقه والقضاء بالمعيارين الشخصي والموضوعي ، الا ان الراي الراجح هو الاخذ بالمعيار الموضوعي فالطبيب يعد مسؤولا عن كل تقصير في مسلكه الطبي لا يقع من طبيب يقظ في مستواه المهني وجد في الظروف الخارجية نفسها التي احاطت بالطبيب المسؤول، كحالة المريض ودرجة خطورة تلك الحالة وما يستلزمه من اسعافات عاجلة ووقت اجراء العلاج ومكانه وتوفر الامكانيات الفنية من عدمها ، فلا يمكن والحالة هذه قياس الطبيب الذي يتولى العلاج في مركز طبي متقدم لديه من المستلزمات الفنية والامكانيات العلمية بمركز صحي في قرية نائية لاتتوفر فيه المستلزمات الضرورية وعدم امكانية الحصول على الاستشارة الطبية الفورية من الاطباء الاخرين. ويتبادر هنا السؤال عن الأخطاء التي توجب مسؤولية الطبيب ، فهل يسال الطبيب، عن كل خطأ يقع من جانبه اثناء ممارسة المهنة ومهما كانت درجته ؟ قسمت الاخطاء الطبية الى قسمين الخطأ المادي (العادي ) ، والخطأ الفني ، وتاثر الفقه والقضاء بهذا التقسيم وظهر اتجاهان ، اتجاه يرى مساءلة الطبيب عن خطئه المادي اثناء ممارسة المهنة وهو كل خطا يصدر من الطبيب وليس له علاقة بفن المهنة واصولها او الخطا الذي يصدر من الطبيب كغيره من الناس بمعنى كل فعل مادي يكون ارتكابه مخالف لواجب الحرص المفروض على الناس كافة فمثلا عدم تقدير الطبيب لحالة المريض الصحية وطلب نقله الى مستشفى اخر يعد خطأ ماديا يستوجب مساءلة الطبيب لما يرتبه نقل المريض من مضاعفات قد تؤدي بحياته او قيام الطبيب باجراءات عملية جراحية لمريض وهو في حالة سكر، وتقررت ايضا مسؤولية الطبيب قضائيا عن اخطائه المادية سواء اكان الخطاء جسيما ام يسيرا وقد استند القضاء العراقي كما هو مسلك القضاء الفرنسي والمصري القديم في تقرير مسؤولية الطبيب الى التفرقة بين الخطأ المادي والخطا الفني وتحديد مسؤولية الطبيب في الخطأ المادي دون الفني بحجة ان يفسح المجال واسعا للأطباء للعمل بحرية دون خوف من المسؤولية لمسايرة التطورات العلمية السريعة وملاحقتها والانتفاع بها وان كثيرا من المسائل الفنية مازالت موضع الاجتهاد والنقاش . اما الاتجاه الاخر وهو الاتجاه الحديث فيرى انه من الصعب وضع معيار دقيق للتفرقة بين الخطا المادي والخطا الفني ، وان مسؤولية الاطباء عما يرتكبونه من اخطاء في علاج المرضى الذين اختاروهم هي مسؤولية عقدية وان عقد العلاج وان لم يكن التزاما بالشفاء الا انه يتطلب من الطبيب بذل جهود صادقة يقظة متفقة مع الاصول العلمية الثابتة ان لم يكن ثمة ظرف استثنائي، كما جرى القضاء على تقرير مسؤولية الطبيب واخضاعه للقواعد العامة متى تحقق الخطأ ومهما كان نوعه سواء كان ماديا او فنيا يسيرا او جسيما .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.