Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

يوم القدس العالمي .. يوم الوحدة الإسلامية ومنارة ثورية للمستضعفين

لالل

شهر الله الذي أُنزل فيه القرآن هو شهر رمضان أحد مواسم الوحدة الإسلامية, ففي هذا الشهر العظيم تصوم الأمة الإسلامية بكل مذاهبها ومشاربها، يكثر المسلمون من الدعاء والصلاة والتوجه إلى الله, وحال المسلمين في هذا الشهر يختلف تماماً عن حالهم في بقية‌ الشهور, ويخفُّ اهتمام المسلمين إلى‌ أمورهم الشخصية ويرتقي إلى ‌اهتمامهم بقضايا المسلمين وبهموم الأمة بل بهموم الإنسانية, ويأتي اختيار الإمام الخميني (قدس سره) الذكي ليوم الجمعة الأخير من شهر رمضان وإعلانه يوماً عالمياً للقدس ليضيف حافزاً جديداً لشدّ وحدة المسلمين من جانب ومن جانب أخر ليستفيد من قوة المسلمين في وحدتهم الرمضانية لصالح القضية الأهم، القضية‌ الفلسطينية. من هذا المنطلق يمكن لنا أن نقرأ في مبادرة الإمام الخميني (قدس سره) هذه أكثر من رسالة من جملتها:
• القضية الفلسطينية قضية المسلمين وليست فقط قضية شعب فلسطين الذي احتلَّت أرضه وشُرِّد من بيته وأغتصب حقه وأيضاً ليست فقط قضية‌ العرب بعدّ الشعب الفلسطيني جزءاً من القومية العربية. نعم القضية الفلسطينية قضيتهم بعدّهم أحد المكونات الأساسية للأمة الإسلامية ولكنها قضية المسلمين جميعاّ.
• الحل للقضية‌ الفلسطينية لا يأتي إلاّ من خلال وحدة المسلمين وتركيز جهودهم لاسترجاع حقوق الفلسطينيين المسلوبة.
مع تعاظم الخطر الصهيوني الذي يهدد القدس في ظل الاتفاقيات الاستسلامية التي وقعها النهج الخياني مع العدو الصهيوني لا يسعنا إلا أن نتذكر بإجلال وإكبار الامام الخميني قدس سره الذي اعلن مأثرته الثورية التي اطلق العـنان لها بتاريخ السابع من آب عام 1979 عدّ الجمعة الاخيرة من شهر رمضان المبارك يوم القدس العالمي ليكرس نهجا كفاحيا يجسد من خلاله النموذج الاسلامي الجهادي الحقيقي الذي انتصر لقضايا الامة الاسلامية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وجوهرها قضية القدس هذه القضية التي حازت على جانب كبير من اهتماماته الجهادية في وقت مبكر قبل الثورة وهو يعيش في منفاه عندما عبر عن مواقفه الثورية بشجاعة ولم يصمت على مسلسل الجرائم الصهيونية بحق اخوة الدين والاسلام في فلسطين فاطلق صرخته المدوية لرفض هذا الواقع الاجرامي فدعا الشعوب والحكام من منفاه لرفع الظلم والقهر عن كاهل الشعب المسلم الفلسطيني المظلوم.
أما عندما انتصرت الثورة الاسلامية في ايران بقيادة سماحته فإنه اطلق العنان لمأثرته الجهادية ليضع الامور في نصابها أمام الامة الاسلامية لتتحمل مسؤولياتها وتستشعر الخطر الصهيوني الذي يهدد القدس بدعم ومساندة الاستكبار العالمي.
بهذا اليوم التاريخي اعلن القائد الكبير الإمام الخميني (قدس سره) انحياز الثورة الاسلامية بشكل معلن لفلسطين والقدس واصبحت الجمهورية الاسلامية في ايران طرفا أساسيا واستراتيجيا في معادلة الصراع الوجودي مع القوى المعادية للاسلام لاسيما الصهاينة العدو الاول للأمة العربية والاسلامية.
لقد أثبتت المأثرة الجهادية لسماحة الإمام نظرته الثاقبة لوضع الحلول الجذرية الجهادية المناسبة لتصحح مسار الامة في ادارة الصراع مع قوى الاستكبار العالمي واستحداث وعي جديد يمكنها من استعادة دورها الجهادي في جميع الميادين بعد تغيبه لمدة طويلة.
لهذا فإن انتصار الثورة الاسلامية في ايران كان أكبر من ثورة لأنها تحول عالمي ومفصل تاريخي ما بين الانحطاط والنهوض وما بين الحق والباطل، فكانت فلسطين والقدس في عقل ووجدان الإمام الذي سكن وجدان الامة كزعيم مسلم قبل وبعد الثورة ليس لأنه عالم دين فقط بل لأنه القائد الملهم الذي استطاع بحنكته ودرايته تحطيم اهم ركائز الاستكبار العالمي وأدواته وبناء الدولة الاسلامية الحديثة وحمل هموم الأمة التي عالجها وشخصها بشكل دقيق ووضع الحلول المناسبة وكانت القضية الفلسطينية من أولوياته على صدر اهتماماته فكان الهدف من يوم القدس العالمي جمع المسلمين الذين توحدهم أولى القبلتين وثالث الحرمين تحت راية الاسلام لمواجهة قوى الاستكبار العالمي والصهيونية وكل من يدور في فلكهم من القوى الرجعية وفي مقدمها الذين وقعوا اتفاقيات الذل والعار والخيانة والاستسلام.
إن مبادرة الإمام الخميني (قدس سره) بعدّه مرجعاً دينياً في إعلان يوم القدس العالمي جاءت تتويجاً لموقف علماء الشيعة وخاصة العلماء الإيرانيين من القضية الفلسطينية منذ زرع الكيان الصهيوني في قلب فلسطين وحدوث النكبة. فتاريخ علماء الشيعة بما يتمتعون من الاستقلال حافل بمواقف شجاعة ضد الظالمين دعماً للمظلوم مقتدين بسيرة أهل البيت (عليهم السلام) وهذا ما يعبر عنه آية الله الشهيد مرتضى مطهري (قدس سره) بخصوصية علماء‌ الشيعة قائلاً: “علماء الدين الشيعة، يؤلفون مؤسسة مستقلة بذاتها،روحياً،اعتمادها على ‌الله واجتماعياً على الأمة وهذا يفسر بقاء هذه المؤسسة قوة بوجه الاستبداد على طول التاريخ”،
لذا فعلماء الشيعة ومنذ بدايات شعورهم بالخطر على فلسطين،أخذوا موقفاً صارماً لصالح الفلسطينيين رافضاً أية مساومة في مواجهة الخطر الصهيوني. وهناك وثيقة في أرشيف وثائق الخارجية في وزارة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية وهي رسالة العلامة محمد حسين كاشف الغطاء من أهم علماء الشيعة في النجف رداً على استفتاء محمد صبري عابدين، معلم الحرم القدسي الشريف، يقول فيها: يقول الله جل شأنه: “وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إنَّ أخذه أليم شديد”، فأيُّ ظلم أكبر من أن يفرط الإنسان بحقوق أجداده وأحفاده، بل يمكن القول أي ظلم أكبر من أن يفرط الإنسان بمقدساته ودينه وأن يتجاهل قرآنه وقيمه».
ومع طرح مشروع تقسيم فلسطين في عصبة الأمم، بدأت المواجهة بين علماء الدين والغرب وقد رفع علماء الشيعة راية هذه المواجهة إذ قام هؤلاء بدعوة علماء ‌المسلمين إلى اتخاذ موقف صريح وواضح من هذا الموضوع,وبعد تأسيس الكيان الصهيوني وحدوث النكبة وبرغم محاولات بعض قادة العرب وبرغم شعارات الوحدة والمشاريع الرنَّانة لتحقق الوحدة أو الاتحاد، تفاقم الوضع أكثر فأكثر مما جعل الصهاينة يسخرون من العرب وشعاراتهم في نضال الصهيونية وتجرّأُوا على شن الحروب على الدول المجاورة لاغتصاب أراض جديدة.
الإمام الخميني (قدس سره) الذي كان يواكب التحولات والأحداث في الأراضي المحتلة عبَّر عن هذا الوضع المأساوي في خطاب له في 16/8/1979م: “ثمة أمر يحيرني وهو أنَّ الدول الإسلامية والشعوب المسلمة تشخِّص الداء جيداً وتعلم أنَّ للأجانب دوراً كبيراً في إشاعة التفرقة بينهم كما أنها تدرك أنَّ نتيجة هذه التفرقة ليس غير ضعفهم وزوالهم وهي ترى أنَّ دولة خاوية كإسرائيل تقف في مقابل المسلمين الذين لو اجتمعوا وصبَّ كل واحد منهم دلواً من الماء على إسرائيل لجرفها السيل ولكنهم مع ذلك يقفون عاجزين أمامها». وفي خطاب آخر في 1/11/1979م قال (قدس سره) عن الموضوع كلاماً يدلُّ على أنه عارٌ على‌ العرب والمسلمين أن يكون مصير فلسطين كما يجري على الأرض “لماذا يتسنّى لإسرائيل أن تتحكَّم بهذا الشكل بدول تمتلك كل شيء وتتمتع بكل أنواع القدرة؟، لماذا ينبغي أن يكون الأمر كذلك؟، لو لم تكن الشعوب متفرقة ومعزولة عن حكوماتها والحكومات مبتعدة عن بعضها وأنَّ أكثر من مليار مسلم بكل ما لديهم من استعدادات، جالسون مكتوفو الأيدي وإسرائيل ترتكب كل هذه الجرائم في لبنان وفلسطين».
نظراً لما ذكرنا من عوامل وما اتسمت به روحية الإمام الخميني (قدس سره) المناهضة للظلم والمتصدية للقوى المتغطرسة، كانت الثورة الإسلامية مختلفة عن الثورات الأخرى التي عرفها التاريخ. ومن الواضح أن الدفاع عن أهداف الشعب الفلسطيني شكّل أحد أبرز ابعاد الثورة الإيرانية كما أسلفنا. وقد أكتسب هذا التوجه أهمية كبرى نظراً لتزامن انتصار الثورة مع معاهدة الذل المسماة “كامب ديفيد”، المعاهدة التي تم توقيعها بين الكيان الصهيوني والأنظمة العربية برعاية الولايات المتحدة الأميركية. إذ كان المستعمرون يتصورون بأنهم سرعان ما سيتمكنون من فرض هيمنتهم على الدول الإسلامية، والإيهام شيئاً فشيئاً بانتهاء القضية الفلسطينية من خلال تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني.فجاء إعلان الإمام الخميني (قدس سره) ليوم القدس في السابع من آب سنة 1979 ضربة قاضية لتلك الآمال المريضة وفضحاً ما بعده فضح للقيادات العربية المتآمرة حيث قال (قدس سره): “«وإنني أدعو المسلمين في جميع أنحاء العالم لتكريس يوم الجمعة الأخيرة من هذا الشهر الفضيل من شهر رمضان المبارك ليكون يوم القدس، وإعلان التضامن الدولي من المسلمين في دعم الحقوق المشروعة للشعب المسلم في فلسطين. لسنوات عديدة، قمت بتحذير المسلمين من الخطر الذي تشكله إسرائيل الغاصبة والتي اليوم تكثف هجماتها الوحشية ضد الإخوة والأخوات الفلسطينيين، والتي هي، في جنوب لبنان على وجه الخصوص، مستمرة في قصف منازل الفلسطينيين على أمل سحق النضال الفلسطيني. وأطلب من جميع المسلمين في العالم والحكومات الإسلامية العمل معا لقطع يد هذه الغاصبة ومؤيديها. وإنني أدعو جميع المسلمين في العالم لتحديد واختيار يوم القدس العالمي في الجمعة الأخيرة في شهر رمضان الكريم – الذي هو في حد ذاته مدة محددة يمكن أيضاً أن يكون العامل المحدد لمصير الشعب الفلسطيني”.
الإمام الخامنئي (دام ظله) بدوره يعرف عمق الخطر وحجم المسؤولية الملقاة على عاتق المسلمين حول القضية الفلسطينية فيقول: “إن عناصر الروح الإيمانية الإسلامية ودافع الجهاد في سبيل الله حين دخلت لتمتزج مرة أخرى بنضال الشعب الفلسطيني قد خلقت أكبر عائق أمام تحقيق المخططات الاستكبارية والأهداف الخيانية. الشعب الفلسطيني اليوم ببركة هذه المعنويات والدوافع موجود في الساحة بكل وجوده، وهو بإرادته وعزمه وتضحياته يصنع المستقبل الذي لم يكن يخطر في بال الأعداء بل حتى في بال أصدقاء القضية الفلسطينية. إن الساحة الفلسطينية اليوم تبشر بمستقبل حتمي وعد الله سبحانه به المجاهدين الصادقين الصابرين ولن يخلف الله وعده. عصابة الكيان الصهيوني الدموي الظالم ومن ورائه من الساسة الأمريكان والصهيونية العالمية والصليبية الرجعية يخالون أنهم بممارساتهم الاجرامية المفجعة سوف يحققون نصراً على الشعب الفلسطيني ويجبرونه على الاستسلام، وهو خطأ فظيع سوف يلقى مرتكبوه في المستقبل سوء العاقبة والجزاء. إن قتلة تل أبيب لم يستطيعوا إلا أن يقتلوا أبرياء ويهدموا مدناً، لكنهم خابوا أن يخلقوا أي صدع في عزم المجاهدين الفلسطينيين وصمودهم.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.