Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

كاصد محمد: كل ما يستهلكه العرب في حياتهم مستورد.. وما حملته من بابل هو الذكريات

550

عبد الله مكسور

“ما حملته معي من بابل هو الذكريات، وحملت أيضاً، ولا أزال أحمل، من بابل ومن العراق، الهموم والآلام التي يقاسيها الناس”. بهذه الكلمات يبدأ المترجم العراقي كاصد محمد، المولود في بابل عام 1981 والمقيم في مدينة بولونيا شمالي إيطاليا حديثه، بكثير من التفاصيل اليومية الخاصة والجَمعيَّة التي اختزنها في طفولته عن قرية نشأ فيها وعن فضاءات امتلأ بها ويعد أن يتناولها في مشروعه الأدبي، فالذكريات التي مرّ بها بدءاً من عام 1991 ووصولاً إلى ذروة الاقتتال الطائفي في العراق جعَلَت من الأشلاء وبقايا العظام التي قام بانتشالِها من مقبرة المحاويل الجماعية في بابل، مادة أدبية يستندُ إليها في مجموعته القصصية الأولى التي سترى النور قريباً باللغتين العربية والإيطالية.
كاصد محمد كاتب ومترجم من الإيطالية إلى العربية وبالعكس، درس في قسم الأدب الإيطالي بكلية اللغات في جامعة بغداد، ثم أكمل الماجستير في الأدب الإيطالي بجامعة بولونيا الإيطالية ومنها أيضاً حصل على درجة الدكتوراه في الأدب المقارن، ليبدأ اشتغاله الأدبي عبر منصات ثقافية في البلاد الجديدة، ولتكون الكتابة بالعربية والإيطالية والترجمة بينهما هي صلب اهتمامه الأول، فالترجمة عنده تقوم على إعادة صياغة النص بما يحتوي من روح وثقافة وحياة، أي إعادة خلقه وكتابته من جديد بلغة أخرى، رغم إيمانه أنَّ الترجمة ليست إعادة كتابة للنص بحرية مطلقة، وأن كل ما يجب احترامه هو أن يكون بلغة يتلقاها القارئ كأنها لغته، وهذا يتم كما يراه ضيفنا حينما يعمَد المترجم إلى نقل أسلوب الكاتب الآخر الذي يحمل هويَّته.
حرفة الترجمة
الأدب المُترجم الذي يحمل تحديات كثيرة أبرزها تقوم على إيجاد مفردات تقابل النص الأصلي في المعنى والروح، وهذا ما يواجهه حين ترجمة الارتكازات التاريخية أو الشعبية في النص الذي يتَّصِل بعمق ثقافة القارئ الأصلي للغتِه الأم، هنا يعمد ضيفنا كما يقول إلى الهوامش أو التغيير بالنص الأصلي مع الحفاظ على المعنى والروح بذات الوقت.حديثه يدفعنا لسؤاله عن ترجمة ما يتعلق بإشارات أدبية إلى الحرب الأهلية مثلاً في الأدب الأوروبي، والتي تحمل الكثير من الاختزالات المعرفية التي تقع في عقل المتلقي، ليقول إن التعامل معها يختلف من حالة إلى أخرى، فهناك أحداث محلية جداً أو بعيدة شيئا ما في التاريخ، أي أنها مجهولة إلى حد ما للمتلقي، فتتوجب الإشارة إليها بملاحظة أسفل الصفحة أو في مكان معين من الكتاب، كالمقدمة مثلا، من أجل وضع القارئ في محيط العمل، أما إذا كان الحدث شهيرا، أو أن هناك إمكانية للاطلاع عليه عبر الإنترنت، فيمكن تركه لفضول القارئ، لكي تتوسع لديه آفاق المعرفة.
الأدب العربي لا يقع في مصاف العالمية ولهذا أسبابه، أوَّلُها أنَّ أهليه وضعوه حيث هو الآن، فالخلل بحسب كاصد ليس في الأدب بحد ذاته.
عن ميزات الأدب الذي يقع عليه اختيار الترجمة، والحديث هنا باتجاهين متعاكسين مِن العربية وإليها، يقول ضيفنا إن هناك ميزات كثيرة ومتنوعة لاختيار عمل ما والاشتغال على ترجمته. أحيانا يكون الاقتراح من الناشر وطوراً من المترجِم نفسه، ولكن أهم وأول الميزات أن يكون العمل أدباً رصيناً يمتاز بالجمال ويتناول قضايا مهمة تثير القارئ، فالعمل الذي يستوقف كاصد هو ذلك الذي يمس جوهر الإنسان بشخصه وبإحساسِه الجَمعي.
الطريق إلى اللغات
“الموضوع، الثيمة، اللغة، الجوائز، تقنية الكتابة، العلاقات العامة”، هذه الأمور مجتمعة مع بعضها هي ما يدفع بعمل دون غيره إلى الترجمة إلى لغات أخرى، ويقر ضيفنا بمَيلِه نحو تفوُّق الثيمة على باقي العناصر، فهي العمود الفقري الذي يرتقي بالعمل إلى النجاح ويستشهد هنا بالأعمال العالمية التي كُتِبَ لها الخلود حيث تناولت كلها ثيمات إنسانية عامة أو لحظات تاريخية معيَّنة تتصل ببلد أو جماعة ما.
الأدب العربي لا يقع في مصاف العالمية كما يراه ضيفنا ولهذا أسبابه، أوَّلُها أنَّ أهليه وضعوه حيث هو الآن، فالخلل بحسب كاصد ليس في الأدب بحد ذاته، ولا في الكُتّاب بل في السياسيات الثقافية -يتابع ضيفنا- بأنه لا وجه مقارنة بين عدد الأعمال التي تترجم إلى العربية مع تلك التي تترجم عنها فكل ما يستهلكه العرب في حياتهم هو مستورد، حتى القراءة!
يضيف ضيفنا أنه غالباً ما يستصعب المترجم العربي أيضا النقل عن العربية، رغم أن لا استحالة في ذلك إذا ما تم إتقان اللغة الأخرى، لذلك فإن معظم الترجمات عن العربية تكون على أيدي مترجمين غير عرب، وهذا حقيقة مشكل كبير بحسب كاصد، فالعربية هي إحدى أصعب اللغات في العالم، وغالبا ما يتعذر فهم المقصود من النص على الناطقين بها، ومع هذا يقول ضيفنا هناك نتاج عربي، سواء في الرواية، القصة أم الشعر، بجودة أدبية عالية، قادر على تحقيق النجاحات الباهرة لو تمَّت ترجمته ضمن استراتيجية واضحة للنشر والتسويق.
القرصان الأسود
مؤخراً قام كاصد بترجمة رواية المغامرة “القرصان الأسود” لأميليو سالغاري والتي تقع ضمن سلسلة روايات “قراصنة جزر الأنتيل” التي تتناول صراعات القراصنة وقتالهم مع الإسبان في القرن السابع عشر، الرواية بنسختها العربية ستصدر عن دار المتوسط في ميلانو.
عن أجواء الرواية يقول كاصد إنها تدور حول رجل إيطالي نبيل يمتطي الأمواج على صهوة سفينته في بحار تحفها مخاطر الأسبان الذين يبحثون عن قرصان ليعلِّقوا مشنقتَه، وفي هذه الصراعات يواجه أبطال الرواية المغامرات التي يرتجف لها قلب القارئ معهم، إذ يشعر القارئ وكأنه أحد أبطال الرواية، يركب البحر معهم ويتجول بين الأشجار العملاقة في تلك الغابات المظلمة، ويواجه برفقتهم كل المخاطر والأهوال، إضافة إلى القصص الإنسانية التي لا تخلُو منها هذه التشابكات الاجتماعية.عربياً يشتغل كاصد محمد حالياً على ترجمة رواية “مرسى فاطمة” للروائي الأرتري حجي جابر إلى الإيطالية بعد أن أنهى ترجمة ديوان “التعليمات في الداخل” للشاعر الفلسطيني أشرف فياض، أسأله هنا عن الصعوبات التي واجهته في نقل البيئة الأرترية إلى العالمية، ليقول إنه لم يتعرض لصعوبات جمة في نقل البيئة والمحيط الأرتري إلى الإيطالية، والفضل في هذا يعود لحجي جابر الذي كان واضحا غاية الوضوح في معالجة الأحداث وفي طرح القضية، فضلاً عن التقاطعات التاريخية بين أرتريا وإيطاليا خلال مدة الاستعمار.
الأدب المقارن
كاصد محمد حاصل على الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة بولونيا في إيطاليا، وفي هذا الميدان يقول عن فهمه للأدب المقارن إنَّه يرتكز إلى البحث في الظواهر الأدبية بين نصّين أو أكثر، ينتمي كل منها إلى لغة وثقافة مختلفة، غالبا لإيجاد نقاط التشابه، وأحيانا الاختلاف فيما بينهما. وأدواته هي المعرفة اللغوية والنقدية، والغاية منه اكتشاف تأثير كاتب أو نصّ ما على آخر، في جوانب المعرفة الإنسانية في العمل الأدبي، والهدف السامي للأدب المقارن هو تقريب الشعوب والحضارات، وإبراز نقاط الالتقاء فيما بينها في حقل الأدب، وإثراء الثقافات بالتبادل المعرفي، حيث يعتمد البحث في هذا الحقل على القراءة النقدية للنصين، وتحديد تلك الظواهر الأدبية، ومعرفة نوع التأثير، إذا ما كان نصيا صريحا أو على مستوى الأفكار والأسلوب، وأحيانا تبرز من خلال البحث ظواهر تتجاوز الأدب، وتصبّ في مجالات المعرفة الأخرى، كعلم الاجتماع والتاريخ والفلسفة وغيرها.ضيفنا يسير بخطوات واثقة في عالم الإبداع الأدبي فهو يحضِّر اليوم لمجموعته الأولى باللغة العربية بعد أن نشر باللغة الإيطالية قصصاً وقصائد والعشرات من الأبحاث والمقالات الأدبية فقد حاز عام 2012 على جائزة “Il Racconto Nel Cassett”، وهي جائزة إيطالية رفيعة المستوى عن القصة، ويدير حالياً برفقة كتاب وشعراء من مختلف دول العالم، مجلة إيطالية إلكترونية تحت مسمى “الآلة الحالمة” إلى جانب تدريسه الأكاديمي وتعليمه اللغة العربية لغير الناطقين بها في جامعات إيطالية مختلفة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.