Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

الحرية وموقعها من منظومة القيم

762

الحرية أمرٌ نسبيٌّ ينبع في جوهره من الذات الإنسانيّة وإحساسها بأنّ هذا الأمر أو ذاك مفروض عليها من الخارج، أو هو خيار داخلي نابع من الذات الإنسانية نفسها، فلا يشعر أحدنا مثلاً بأنّه ممنوع من الطيران إذا كرّر تجربة عباس بن فرناس وأصابه المصير نفسه، كما قرأنا جميعاً على مقاعد الدراسة, لا مجال للحديث عن الحرية بمعناها المطلق المجرّد من أيّ قيد من القيود الأخلاقية أو القانونية أو الطبيعيّة، فالحرية تحت الشمس مفهوم نسبي, لأنّ الإنسان الخاضع لقيود الزمان والمكان، على الأقل، لا بد من أن تكون حريته مقيّدة بحدود الزمان والمكان.
من مقتضيات ولوازم نسبية مفهوم الحرية، تعارضه بحسب الأشخاص، فما هو حرية لرب العمل مثلاً هو استغلال للعامل، وما هو حرية للحاكم هو استبداد من وجهة نظر المحكوم والمواطن، وما هو حرية للمواطن قد يكون فوضى من وجهة نظر القائم على حفظ النظام وضبط الأمن، والأمر عينه يقال عن الأب والابن وغيرهما من الأطراف الذين تتضارب مصالحهم وتتعارض أو تتكامل.
على ضوء ما تقدم يبدو أنّ السؤال الأساس هو عن المنظومة الصالحة لتقييد خيارات الفاعل الإنساني سواء كان يخوض في ميدان المجتمع أو يعيش وحده على جزيرة معزولة كحي بن يقظان أو صديقه. وهذا ما يدعونا إلى البحث عن تعريف القيم..
عُرّفت القيم في الاصطلاح بعدّة تعريفات منها: إنّ القيم هي: “مستوى أو مقياس أو معيار نحكم بمقتضاه ونقيس به ونحدّد على أساسه المرغوب فيه والمرغوب عنه” . وعرّفت بأنّها: “القواعد التي تقوم عليها الحياة الإنسانيّة وتختلف بها عن الحياة الحيوانيّة كما تختلف الحضارات بحسب تصورها لها” والقيم كما في محاولة أخرى لتعريفها هي مجموعة: “تصوّرات توضيحيّة لتوجيه السلوك، تحدّد أحكام القبول أو الرفض، وهي تنبع من التجربة الاجتماعيّة وتتوحّد بها الشخصيّة، وهي عنصر مشترك في تكوين البناء الاجتماعيّ والشخصيّة الفرديّة، وقد تكون واضحة تحدّد السلوك تحديداً قاطعاً، أو غامضة متشابهة تجعل الموقف ملتبساً مختلطاً. وهي المعتقدات التي يحملها الفرد نحو الأشياء والمعاني وأوجه النشاط المختلفة والتي تعمل على توجيه رغباته واتجاهاته نحوها، وتحدّد له السلوك المقبول والمرفوض والصواب والخطأ وتتّصف بالثبات النسبيّ. وتصنّف القيم بتصنيفات مختلفة تتبع المجال الذي تعمل فيه، والمضمون الذي تحمله وهكذا، فهناك قيم سياسيّة وأخرى جماليّة وثالثة اجتماعيّة ورابعة فرديّة وخامسة دينيّة وهكذا .. ويبدو مفهوم القيم أقلّ غموضاً من مفهوم الحرية، ولكن السؤال الأهم في ميدان القيم هو في المرجعية الصالحة لاستخراج القيم، وفي البحث حول الحرية وهل هي قيمة من القيم أم هي شيء آخر ؟.
إذا كانت القيم هي مجموعة من المعايير التي توجّه السلوك الاجتماعي وبالتالي تضبط حركة الإنسان وتصرفاته الفردية والاجتماعية، فإنّ الحرية لا ينطبق عليها مفهوم القيمة، وهي على الرغم من أهميتها إلا أنها ليست ذات مضمون محدد عندما ينظر إليها وحدها، بل تكتسب معناها من الغاية التي يريد الإنسان الحرّ تحقيقها، الحرية بمعنى كسر القيود ، ليس قيمة من القيم هذا إطار للقيم، ولكن هذا وحده لا يصنع الإنسان، أنت لا تستطيع أن تصنع الإنسان بأن تكسر عنه القيود وتقول له افعل ما شئت، هذا وحده لا يكفي فإنّ كسر القيود إنّما يشكّل الإطار للتنمية البشريّة الصالحة، يحتاج هذا إلى مضمون إلى محتوى، فمجرّد أنّه يستطيع أن يتصرّف، يستطيع أن يمشي في الأسواق هذا لا يكفي، أمّا كيف يمشي وما هو الهدف الذي من أجله يمشي في الأسواق ؟ المحتوى والمضمون هو الذي فات الإنسان الأوربي، الإنسان الأوروبي جعل الحرية هدفاً وهذا صحيح, ولكنّه صيّر من هذا الهدف مثلاً أعلى بينما هذا الهدف ليس إلا إطار في الحقيقة وهذا الإطار بحاجة إلى محتوى وإلى مضمون… وإذا جُرِّد هذا الإطار عن محتواه سوف يؤدّي إلى الويل والدمار، إلى الويل الذي تواجهه الحضارة الغربيّة اليوم التي صنعت للبشريّة كلّ وسائل الدمار, لأن الإطار بقي بلا محتوى بقي بلا مضمون.. “الحرية إذاً وفق هذه الرؤية لا تعبّر عن قيمة مستقلة، وإن كانت ذات أهمية لا تنكر في الفكر الإسلامي الذي اعترف بالحرية في مجالات عدة, ففي إيران وعلى مستوى العنوان العام هناك حريتان أساسيتان: حرية المعتقد وحرية التعبير. وهاتان الحريتان كفلهما الدستور، على مستوى الممارسة وعلى مستوى التطبيق ، والشاهد أن إبراهيم يزدي الذي لا يؤمن بنظام الجمهورية الإسلامية وصاحب التوجهات القومية ظاهراً والعلمانية باطناً، يمارس حريته السياسية وعنده حركة سياسية في طهران ولم يتعرض له أحد على مدى 25 سنة ولكن متى تنكمش الحرية في إيران ؟ عندما يتم الخوض في مسألتين، إما مسألة الدم وإما مسألة تهديد أركان النظام ,وأتابع في مسألة الحرية، الإمام علي عليه السلام عندما واجه الخوارج، لم يواجههم على خلفية معتقداتهم ولا واجههم على خلفية كرههم له، بل على خلفية الحالة التكفيرية التي استُتبعت بممارسات عملية أدت بالخوارج في كثير من الأحيان إلى قتل النساء والأطفال وغير ذلك.برأيي فإن مسائل الإخلال بالنظام والدم وإشاعة الفاحشة، مرتبطة بشكل مباشر بعملية ضبط الحرية, الحرية يجب أن تكون منضبطة وخاضعة لخطوط حمر ممنوع تجاوزها. ويربط بعضهم الحرية في إيران ببعض المظاهر العامة، مثلاً مسألة الحجاب أو شرب الخمر وأمور أخرى مشابهة، ولكن هنا تصبح المسألة إشكالية إسلامية وليست إيرانية، وهنا ينتقل النقاش إلى مستوى آخر.. أخيراً، وحتى نفهم موضوع الحرية في إيران بشكل دقيق لا بدّ من التمييز بين ثلاثة أمور:
أولاً: التمييز بين ما هو أخلاقي وما هو قانوني، بمعنى أنا ألتزم بأحكام النظام العام، لأن القانون يفرض عليّ ذلك، وأحياناً لأن الأخلاق الإسلامية تفرض عليّ ذلك. فالبعد القانوني إلزامي أما البعد الأخلاقي فهو التزامي واختياري يقوم على الحرية.يعني عندما لا أتجاوز إشارة المرور الحمراء الثالثة فجراً، حين لا يوجد شرطي ولا أحد ينظم بحقي مخالفة مرور، المسألة هنا أصبحت أخلاقية ومتعلقة بحريتي الشخصية التي أنا قررتها، وهذا العامل موجود بقوة في إيران. صحيح أن هناك تداخلاً بين ما هو تشريعي قانوني وما هو أخلاقي، لكن العامل الأخلاقي النابع من إرادة حرة في الالتزام الديني، يؤدي إلى بلورة مفهوم من الحرية يختلف إلى حدٍ كبير عما هو سائد في الدول الغربية. فكما هو معلوم، إذا انقطعت الكهرباء لخمس دقائق في مجتمع من المجتمعات الغربية فإنه يتحول إلى غابة.
ثانياً: النقطة الثانية: بين المجتمع والدولة، يعني ممكن ألاّ يكون لدينا دولة إسلامية في إيران ولكن لا يمكن ألاّ يكون لدينا مجتمع إسلامي، وهذه جدلية. أي هل أن الدولة الإسلامية هي التي تصنع مجتمعاً إسلامياً أم أن المجتمع هو الذي يصنع الدولة الإسلامية ؟.
والصحيح هو أن المجتمع هو الذي يصنع الدولة الإسلامية, ففي إيران كل المظاهر الإسلامية التي نراها حالياً كانت موجودة حتى قبل نظام الشاه، وبالتالي الدولة هي انبثاق عن حركة مجتمع يتبنى الدين الإسلامي والقيم الإسلامية، ماذا تعني هذه المسألة ؟ تعني أن المجتمع هو الذي يصنع الدولة الإسلامية تماماً كما مجتمع المؤمنين قبل قيام الدولة الإسلامية في المدينة. هذا أعلى درجات الحرية، لأنني أسعى إلى تحقيق مسألة وأبذل الغالي والرخيص من أجل تحقيقها وبالتالي هنا القرار ملكنا والاختيار عندنا، وكذلك الجهد والمساعي الحثيثة من أجل الوصول إلى المطلوب.
النقطة الثالثة والأخيرة: في إيران هناك فرق بين الالتزام والإلزام، فالالتزام حالة طوعيّة وتتجلى بشكل جماعي، وهذا ذروة الحرية لأنه لا أحد يُلزمني، بل أنا ألُزم نفسي بهذا الخط وهذا الخيار وهذه الدولة. في حين حالة الإلزام هي عبارة عن فرض وقهر. في إيران لو لم يكن هناك حرية لدى الناس للالتزام بخيار الدولة الإسلامية، بالتأكيد لما كان هناك من إمكانية لاستمرار هذا النظام، يعني عندما يقرر الشعب الإيراني أن يكون حراً ومتحرراً من الدولة الإسلامية، لن يكون هناك دولة إسلامية.
أخيراً أختم بمقولة للإمام الخميني قدس سره : “لقد ضمن الشيعة حرية الإنسان بدمهم” يعني إذا كنا مستعدين لأن نبذل الدماء في سبيل الحرية، فهذا يعني أن الحرية بالنسبة لنا عبارة عن قيمة مثالية وغالية جداً.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.