Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

رواية «ذاكرة مدينة منقرضة» دولة ولاية بطيخ

1034

جمعة عبد الله

هذه الرواية هي الثامنة للكاتب (زهدي الداودي) وهي تتناول الشأن السياسي، حين تتزاحم في عقلية اصحاب السطوة والنفوذ، في العقلية التآمرية، من اجل النصب والإحتيال، والصراع المرير بينهم، على النفوذ والمال، رغم انها تتناول حقبة سياسية معينة (الحكم الملكي) لكن مسار احداثها تصلح لكل الحقب، التي مرت على العراق، وخاصة الحقبة السياسية الحالية، في عنوان دولة ولاية بطيخ، وهي تعني الروح الانقلابية بالتخلص من اقرب الحلفاء من اجل الغنائم والفرهود، والفوضى السائدة في الوضع العام، بغياب القانون. حيث تمسك بزمام الامور، عصابات السرقة والنصب والاحتيال، المدعومة بأسناد من اصحاب السلطة والنفوذ، اي بصريح العبارة (حاميها حراميها، ودولة فرهود، وهناك سباق في السرقة، بين اكبر حاكم الى اصغر شرطي، والذين يسرقون، ويتحملون الرذالة هم نحن الفقراء) ص 65. وتتحدث الرواية باسلوب مبسط ومعمق بالتشويق بالمغامرات التشويقية، التي تقود مسار الرواية، وتنقلها من حالة الى حالة اخرى، كجزء من الصراع الدرامي الرشيق في الحبكة السردية، التي تنوعت اساليبها في العقدة وفي احداث الرواية، في توظيف جملة اساليب، من السخرية الكوميدية الساخرة، الى اثارة المغامرات التي تشبه الروايات البوليسية، وفي متابعة الحدث والتعمق في تفاصيله الدقيقة، في اسلوب سردي يجمع بين التقليد والمعاصرة، وهي تدخل الى اغوار دولة ولاية بطيخ، لتكشف وتعري، اصحاب الجاه، الذين يقودون هذه الولاية، في تدعيم مصالحهم ونفوذهم، بكل الطرق الشيطانية، بعقول عصابات السرقة، في النصب والاحتيال، وروحية المتآمرة فيما بينهم،. وهي تتحدث بضمير الراوي بلغة السرد الاحداث، بأن شلة من المتشردين، الذين يلوكهم البؤس والفقر والجوع والحرمان الحياتي، وهم ثلاثة (شمس الدين، شرف الدين، خير الدين) وهذا الترميز بـ(الدين) له مغزى سياسي، بمعنى انحشار الدين بالسياسة وتطويعه لمصالحه. بأن هذه الشلة يسكنون المقبرة ويتسامرون بالعرق المغشوش، وعند تصاعد نشوة السكر، يبدأ صياحهم وعراكهم وشتائمهم، ولكنهم حين يلتقون مجدداً، تبدأ الألفة والصحبة، وتأنيب الزمن الاخرق، الذي وضعهم بهذه الوضعية المزرية، في الضياع والتشرد، ويقررون في احد الليالي، التي غاب فيها العرق المغشوش من جلستهم، ان تبدأ مسيرتهم الحياتية بسرقة بسيطة، من حانوت (دنخة الاعور) الذي يبيع المشروبات الكحولية والعرق المغشوش، ونجحوا في السرقة، وانفتحت اذهانهم على حالات النصب والاحتيال، وتدرجوا فيها بنجاح في سلوك هذا الطريق الجديد، واصبح وضعهم الجديد في امتلاك المال، ان يهجروا ويتركوا العيش في المقبرة، والبحث عن سقيفة تجمعهم، او بيت للايجار، طالما اصبحوا في استطاعتهم الدفع المالي. واتفقوا على مصارحة إمرأة غنية (عزيزة) تملك عدة بيوت للايجار، وتدير ماخور الدعارة ومرقصاً، فيه اجمل النساء، ويرتاده الاغنياء واصحاب الجاه والنفوذ، بأن يزوروا هذه (القوادة) ويطرحوا عليها مسألة الحصول على بيت للايجار (امرنا لله الواحد القهار، يجب ان نزور هذه القوادة فوراً دون تأخير، اننا يجب ان نجد سكنا، حتى اذا كان في حضن عاهرة) ص 28. وفوضوا زعيمهم (شمس الدين) الذي اصبح الزعيم المطاع لهم بشكل مطلق، والمتحدث باسمهم. واصبح هو الذي يقود احداث مسار الرواية، في المغامرات المتتالية والمتسارعة في احداثها، التي نقلتهم الى مصاف اصحاب الحظوة والنفوذ، وتقاسم الغنائم والمال. واعتقدت (عزيزة) بعد محادثات بينهم، بأنهم اهل للثقة والاعتماد عليهم، رغم انهم شلة مفلسة، لكنّ لديهم اصراراً وعناداً، في دخول معترك النفوذ والمنافسة، في النصب والاحتيال، فانضمت الى شلتهم، وارتبطت بعلاقة حميمة مع زعيمهم (شمس الدين) وسلمت مصيرها بيديه، بأنها تيقنت بالحدس، بأنه سيصبح يوماً، من اصحاب النفوذ والسطوة، طالما يملك عقلية تآمرية بعقل وبصيرة، و(عزيزة) الفتاة الريفية، التي احبت بعشق صادق (كمال) الذي اصبح بعد ذلك مدير الشرطة العام، فقد اقنعها في الهرب من اهلها، والمجيء الى العاصمة بغداد، بغية الزواج والعيش سوية، عندما كان في كلية الشرطة، وانها صدقت بوعده وتعهده بالزواج منها، لكن حين وصلت الى العاصمة، قام باغتصابها، وتركها للمصير المجهول بالتشرد والضياع، وانتهى بها المصير الى ماخور الدعارة، تبيع جسدها، من اجل مقارعة الحياة المعيشية والتغلب على حالة التشرد والعواقب الوخيمة التي قد تلاحقها. وعندما وجدها (كمال) انها ناجحة في العمل في الماخور، اقترح عليها بتسليفها سلفة مالية، في كمبيلات ومستندات مالية توقعها، حتى تفتح ماخوراً باسمها، يعني استغلالها مالياً، بعد اغتصاب عذريتها وشرفها وخداعها، لذلك ولدت لديها فكرة الانتقام والحقد عليه، واخذ الثأر بالجريمة التي ارتكبها بحقها (انه اغتصبني واوصلني الى هذا الحال. لن استكين اذا لم يسفك دمه، وبعد ذلك سألغي الماخور، واكتفي بتشغيل المرقص، واتوب امام الله، واذا ساعدني الحظ، فسأحج) ص 58. لذلك دبرت حيلة ماكرة مع (شمس الدين)، من اجل اخذ الكمبيلات والمستندات المالية التي بحوزته، وللايقاع به، حتى تعريته والتشهير به، ونجحت الخديعة في استدراج (كمال) مدير الشرطة العام، بحجة تسديد دينها المالي والكمبيلات التي في حوزته، لانها ربحت الجائزة الاولى في اليانصيب قيمتها (خمسة الاف دينار)، وانطلت الحيلة الماكرة عليه، بجلبه الى بيتها بتعريته وتصويره عارياً مع (عزيزة) وتسجيل اعترافاته، بجريمة قتل صديقه القديم في كلية الشرطة (صباح) الابن الاقطاعي الكبير، الذي له نفوذ كبير في دولة ولاية بطيخ، والمقرب من (الباشا) زعيم ولاية بطيخ، هذه المكيدة الناجحة، اصبح ( كمال) محبساً يدار بيد (شمس الدين) واصبح لا يخطو خطوة صغيرة إلا باستشارته، واعطاء الضوء الاخضر اليه، ومن جانب اخر اصبح سلماً لصعود على مسك زمام النفوذ والسطوة، والتنافس على الغنائم، وفرض (الخاوة) وجزية المالية على المحال والتجار، واصبح النصب والاحتيال مهنة احترافية لهم، في ابتلاع ولاية بطيخ، في عقلية التآمر والاستحواذ على النفوذ السلطوي، ولكن تسارع الاحداث وضعت (كمال) في عين العاصفة المدمرة، بالتهم في جرائم قتل، احدهما قتل خطيب التظاهرة الاحتجاجية باطلاق رصاصة في رأسه قبل ان يتفوه بكلمة الى المحتجين المتظاهرين، على الفساد وسوء الادارة في ولاية بطيخ، وجد نفسه محاصراً، وكذلك جريمة قتل (صباح) الابن الاقطاعي المقرب من (الباشا). لقد اعترف (كمال) في حضرة (الباشا) بجرائم القتل التي ارتكبها، الاولى ليقمع التظاهرات الاحتجاجية، قبل استفحالها، وتصبح تهديداً حقيقياً الى ولاية بطيخ، بقتل خطيب التظاهرة، والثانية قتل (صباح) لانه اساء اليه بالشتائم المهينة، لانه ترك تنظيمه السري، الذي يهدف الى اسقاط حكومة ولاية بطيخ، ولانه انتمى الى حزب (الباشا) وهجر التنظيم السري الانقلابي، وانه خادم مطيع لـ(الباشا) ورهن اشارته، وانه ارتبط مصيره نهائياً مع مصير ولاية بطيخ (ان اربط مصيري بمملكة الشياطين، او بالاحرى بولاية بطيخ) ص 287. بدأ الارتياح والرضا على ملامح وجه (الباشا) بأنه حقاً جندي وخادم تحت طواعيته، وهذه الروح المتفانية بالدفاع عن ولاية بطيخ، تستحق الشكر والتكريم، وتولي منصب خطير وحساس في الولاية، هذا الصعود بالطفرة العالية، ولد مخاوف وقلقاً لشلة عصابة (شمس الدين) من الايقاع بهم والتخلص منهم، لذا قرر (شمس الدين) مع (عزيزة) الرحيل والهجرة الى الريف، والاقتران بالزواج ليعيشا سوية بعيداً عن الاحتمالات السيئة. انها رواية سياسية باسلوبها الواقعي، الذي يعري اصحاب النفوذ، الذين جل عقليتهم، في اشباع جشعهم في الاستحواذ على الغنائم والنفوذ، انها ليس ذاكرة مدينة منقرضة، وانما مدينة تتجدد، كما نراها اليوم، في ولاية بطيخ الحالية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.