حكومة الدولة الإسلامية

2575

لقد أكّد الإسلام أنّ أيّ شعب أو مجتمع أو جماعة بشريّة، تعيش في مكانٍ ما وفي ظروف مشتركة ومعّينة لا بدّ لها من نظام وحكومة. في أدبيّات الزمان الماضي في صدر الإسلام كانوا يقولون لا بدّ من إمارة، كما عن الإمام عليّ عليه السلام: “لا بدّ للناس من أميرٍ برٍّ أو فاجر” وعندما يقول الحديث الشريف: “لا بدّ للناس من أمير برٍّ أو فاجر”، فإنّه لم يعط شرعيَّة لحكومة الفاجر بل وصَّف الحاجة الطبيعيّة للجماعة البشريّة وإلى النظام. يعني جاء الإسلام أوّلاً وتكلّم بالمبدأ، مبدأ الحاجة إلى نظام وإلى حكومة وإلى قانون. وكذلك بعدما ثبَّت الإسلام المبدأ جاء ليقول إنّ النظام ، أو القانون أو الشريعة الّتي تستطيع أن تحقِّق الآمال والأهداف الّتي يريدها الله للناس، إنَّما هي شريعة الحكومة أو الدولة الّتي تحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى:﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ . ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وقد تحقّقت الدولة والحكومة الإسلاميّة أيّام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة المنورة، ثمَّ اتّسعت إلى مكّة وإلى شبه الجزيرة العربية. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على رأس هذه الدولة والحكومة وقد حكم بشريعة الله والقانون الإلهيّ المنزل، فهو الّذي لا ينطق عن الهوى، حكم بما ينسجم والتشريع الإلهي لا بما ينسجم مع هواه أو مشاعره أو عواطفه –وإن كنّا نعتقد بأنّ هواه ومشاعره وعواطفه كلّها لله تعالى وأنّه حصل على مرتبته العليا في القرب من الله سبحانه بحيث إنّه لا يمكن أن يفكّر بشيء يخالف الرضا الإلهيّ- كما يحصل في أيّامنا هذه، عند من يضعون القوانين بحيث يجيّرونها لمصالحهم ويبدّلون فيها بحسب أهوائهم وأمزجتهم. يقول سبحانه:﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ . فالنبيّ أو المعصوم أو من ينوب عنهما -حيث لا بدّ للناس من أمير- هو الحاكم والكتاب شرعة الله تعالى لكي يكون القسط ويسود العدل بين الناس، فمنافع الحكم بالشريعة الإلهيّة تعود لعامّة الناس لا لمصالح فئويّة وشخصيّة كما يحصل عندما يضع بعض البشر الأنظمة والقوانين. ومن يتأمّل في طريقة الإسلام في معالجة المشاكل الّتي يتعرّض لها الإنسان والمجتمع في هذه الحياة يجد أنّ الإسلام ينشد الغرض من خلق الإنسان وهو إيصاله عن اختيار إلى الكمال المعنويّ والفوز برضا الله عزّ وجلّ والقرب منه، وذلك لا يتحقّق إلّا بتنمية الروح الإنسانيّة المودعة فيه وفطرته السليمة الّتي خلق عليها، وتعديل الغرائز المختلفة الكائنة فيه، ولذلك أرسل الله سبحانه رسله بالبيّنات وأنزل معهم الكتاب والحكمة والميزان لتحقيق هذا الغرض، وقد قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: “إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق”، فجاء صلى الله عليه وآله وسلم بتعاليم أخلاقيّة سامية وعلّم الكتاب والحكمة، ودعا إلى تهذيب النفوس، وأمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وقد نجح – إلى حدّ بعيد – في هذا المجال، فكان في نفس كلّ إنسان مسلم متأدّب بآدابه وازع داخليّ يمنعه من الاقتراب من أموال الآخرين والنيل من أعراضهم والتعدّي على حقوقهم، وهذا غاية المنى من أيّ قانون يطلبه الناس.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.