Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

المراقب العراقي تنشر رواية «الشيطان يحكم العاصمة» للكاتب المصري فرحات جنيدي

3550

فرحات جنيدي كاتب وقاص مصري، مدير مركز الحوار لبحوث الرأي العام والدعاية والاعلان، عضو اللجنة المركزية للحزب الناصري، كتب المقالات في عدد من الصحف والمواقع العربية، صدر له كتابان (الأحزاب والمال السياسي .. مقالات في الشأن المصري)، و(رائحة الدم الطيبة.. مقالات في الشأن العربي)، اضافة الى أن كتاباته شملت: المسرح (دموع ضاحكة)” 2003 ـ عرض على المسرح العائم وساقية الصاوي. السيناريو (حدود من نار) 2004. الرواية (أحزان الأفاعي) 2011. له كتابان في عالم القصة القصيرة: (قانون صاحبة العطر) 2015، و(مهاجرون) ومضات قصصية 2016. تنفرد (المراقب العراقي) بنشر رواية (الشيطان يحكم العاصمة) اسبوعيا، للكاتب فرحات جنيدي قبل طبعها وتوزيعها في مصر او في أي مكان آخر، وهي بذلك تؤكد تواصلها مع الثقافة العربية، ودعمها للكتاب والمثقفين في كل مكان.

الفصل الثامن

عانق بآلامه السماء, ضربت جسده موجات من التشنجات الموجعة, واحتضنته سحابة من السخونة فأمطر العرق، فاهتزت رأسه بزلزال من الصداع, فانهمر سيل اللعاب من فمه. تشققت شفتاه كالغارق في دوامة الصحراء وافترش الأرض بالقيء. لم يستطع الاستمرار في الجري والهروب من جند وكلاب الإله “نتر”. سقط على الأرض، فالتفّت الرعية حوله وجعلوا من أجسادهم حائطًا عازلا بينه وبين الجنود والكلاب, اخترق صفوف الرعية مجموعة من رفاق دربه ممن تمردوا على قسوة الجوع وقضموا أغلال اليأس وحطموا أسوار الخوف ورفرفة أجنحة ألسنتهم بين الرعية تدعو لطريق الحرية والنور. وبالرغم من أنه على قائمة الدون “خرخور” إلا أنهم استغلوا الاحتفال ليتفقدوا أحوال العاصمة, وعندما أمر الدون “خرخور” بإطلاق الكلاب على الرعية وأمر الجنود بالقبض عليه تنقّلوا جسده النحيل فوق أعناقهم حتى هربوا به بعيداً عن الساحة الكبيرة. وفي طريق هروبهم به همس إليهم أن يذهبوا به إلى خارج العاصمة هناك عند عمال البناء حيث يوجد طبيب العمال على أمل أن ينال العلاج. استطاعوا أن يصلوا به إلى ملجأ طبيب العمال بعد مطاردة شرسة من جنود وكلاب الدون “خرخور” الذين انطلقوا خلفهم بعربات تجرها الكلاب وكان يسبق الجند فرق من الكلاب الهجين من عدة فصائل تم تهجينها في الأصل على أساس صيد الحيوانات البرية. ولقوة تكوينها الجسماني المليء بالعضلات والمميزة بالفك القوي والعريض استخدمها كهنة الإله “نتر” في مطاردة الفارين من العمل في بناء السور أو المتمردين على الإله. ولتلك الكلاب قدرة كبيرة على الجري تصل لعدة ساعات من دون توقف، ولشدة طبعها العنيد قد تموت ولا تترك صيدها. ألقوا به بين يد طبيب العمال فأشار إليهم بتركه وأمرهم بالانخراط وسط عمال البناء بسرعة حتى لا يكتشف الجنود أمرهم. أسرع الطبيب وقرب إليه الماء فصرخ فيه وألقى بالماء على الأرض وكأنه قدم له السم، وتلاعبت بعقله نوبات من التصرفات الجنونية لم يتحملها جسده النحيل، فغاب في نوبة من النوم. فاحتضنه الطبيب بين ذراعيه وأخرج من جِرابه البصل والملح، ودهن مكان عضة الكلب ثم خلط البصل والليمون والعسل بالماء فسقاه القليل على مرات.
انقسم الرعية إلى مجموعات صغيرة والتفوا حول أنفسهم يبكون تارة على من مات منهم بعد هجوم الكلاب عليهم وتارة أخرى على أكوام اللحم التي حرمت عليهم وأكلتها الكلاب, وتارة تفوح رائحة الأمل فتلمس قلوبهم وهم يتبادلون الحكايات عن ذلك الفتى الشجاع الذي صارع الكلاب. الكل يتحدث عن اسم “ماو” الذي كان يهمس به في هذيانه وهم يلتفون حوله عندما سقط على الأرض, لقد داعبت شجاعته أحلام الرعية وتدفقت أنهار الأمل إلى قلوبهم في القضاء على الظلم والخيانة والفساد والمفسدين. ولم تمض عليهم عدة أيام حتى نسج خيالهم عنه آلاف الحكايات, فأصبح بطلهم المخلص وحامي حماهم حينما يتجبّر عليهم ظالم، هو البطل الذي يرحم ضعيفهم، ويحترم شيخهم، ويوقر كبيرهم، بدأ اسمه ينشر الشجاعة بين الرعية فعلت أصواتهم تتغنى باسمه ورووا عنه الحكايات. إنه قوي يمكنه أن يتغلب على جيش “نتر” بأسره, لقد علمت أن “ماو” يصادق الوحوش ويحمي الحيوانات البرية من كلاب “نتر”, يقولون أنه مخلوق غامض له مخالب النسر ورأس الأسد وعقل الذئب, إنه أسرع من الريح ويحصد كالنار ويختبئ فوق السحاب, لقد سمعت أنه يسكن أعلى قمة الجبل هناك في الوادي المظلم وسط الأشباح لا يستطيع أحد الوصول إليه ومن يصل لا يعود, لا لا إنه من الرعية وأخذوه في الماضي كقربان للإله “نتر”، ولكنه تمرد بعد أن شاهد ظلمه للرعية فانطلق لمحاربة “نتر” وجنده, لقد سمعت أنه ذهب إلى ملجأ الكلاب المفترسة واشتبك معهم وكان يرافق ثلاثة وحوش وقتل كل الكلاب ثم عاد إلى الوادي المظلم.
فتح عينيه وعاد يهذي النهر قادم من بعيد وعلى رأسه يقف الإله “ماو” وأسفل قدميه تتراقص سنابل القمح, عالمي كله يسكن فيك يا إلهي كيف أموت وأتركك, نظر طبيب العمال إليه وابتسم وقال: دائماً ما نبحث في كل شيء حولنا عن الله بالرغم أنه بداخلنا وهذا يكفي لمن أراد اليقين بوجوده. رفع رأسه قليلا وهو يحرك جسده النحيل محاولاً النهوض لكنه فشل فأمسك بيد الطبيب ونظر إليه وعيناه تملأانها الدموع وقال: إنها الحقيقة. ابتسم طبيب العمال في وجهه وقرب إلى فمه القليل من شراب البصل والعسل والليمون ثم جفف العرق من فوق جبينه وقال له بصوت هادئ: استرح يا ولدي ولا ترهق نفسك وادخر ما تبقى لك من قوى لمعارك أخرى، ولا تنتظر من يرشدك للطريق الصحيح, ولا تصدق تلك الخرافات، فمن يأتى ليخلصك ليس بإله, لا تظن أن ذلك الشيطان الذي يطاردك إله يمنح الحياة ويوزع الأرزاق فهو ليس أكثر من مجرد جسد عفن سيتحلل يوماً ما وسوف ندوس عليه بالأقدام, ربما اليوم يستطيع أن يمنع عنا الحرية لأنه أقوى لكن غداً سنكون نحن أقوى منه عندما يبحث كل منا عن الحقيقة بنفسه ويفعل ما هو مطلوب منه ولا ينتظر غيره, إن الله القوي موجود فينا وسيكون معنا عندما تمتلئ قلوبنا بالحقيقة ونتغير والتغيير إن لم يكن تحت راية الحرية لن يكون تغييراً حقيقياً، بل إعادة إنتاج للفساد والاستبداد. تذكر تلك الكلمة: الله هو الحرية، والحرية هي هدية الله للرعية يمنعها عنا شيطان متجبر, لكن نحن نعمل وننتظر المدد من الله وحينها لا نمنعها عنه لأن الحرية في ذلك الوقت ستكون بالنسبة له هى الموت دون البقاء، وهو يرانا أقوياء أحراراً.
درتُ حول نفسي أتفقدهم والحيرة تضرب رأسي, لا أعرف ما أنا فيه: هل اليأس تسلل إلى قلبي أم أنا بالفعل في بداية الطريق الصحيح. ازدادت الحيرة وتدفقت أنهار الأسئلة إلى رأسي, عدت مرة أخرى أدور حول نفسي فامتلأت النفس بالملل, تحاملتُ على جسدي المتمرد على الموت برغم الآلام التي تملأه وأنا أنظر إلى خيط النور المتسرب من أسفل باب الملجأ فعاد صوت المرأة الأربعينية يهمس في أذني, الفعل الناقص جريمة كامرأة قررت أن تتخلص من جنينها، وأن خيانة من يملك المعرفة أشـد ضرراً من استسلام وخضوع الرعية أو حتى خيانة الجند الذين تركوا مهامهم في القتال من أجل العاصمة، وتأمين حياة الرعية من مخططات الآلهة الأعداء التي تعمل ليلا نهارا على استمرار حالة الخنوع والضعف التي نعيش فيها، بعد أن أصبحت عاصمة الجند الشجعان عاصمة لجند يقاتلون من أجل مصالحها. اذهب وازرع في عقول الرعية المعرفة، فبالمعرفة يمكنك قتل إله الخوف في نفوسهم. فتحتُ باب الملجأ فامتلأت عيناي بالغبار، أنظر حولي فلا أجد شيئاً غير العمال يختبئون في زوايا سور العاصمة وخلف أكوام الرمال والحجارة يهتفون بروح الإله “نتر”. التقطت أذني صوتاً بعيداً لنباح الكلاب، فأدركت لماذا يهتف العمال، ولماذا هم مختبئون, صرخت في داخلي أن الخطر قادم، وتذكرت كلمات المرأة الأربعينية “عليك أن تبحث عن “ماو” وكل رفاقه وتأتي بهم إلى هنا عند باب النهر وسوف أفتح لكم الباب وتدخلوا القصر وتقتلوا ذلك الشيطان ويعتلي الإله “ماو” العرش ويعيد العدالة للعاصمة”. لكن أين هم الآن؟ عاد صوتها يصرخ في أذني “لا تستسلم، هيا تقدم لكـي تخدع أعداءك، فعليك بالقليل من الحذر والحيطة، وعليك بالتحرك بضوء الشمس مع إخفاء نواياك الحقيقية، حتى يأتي الوقت الذي فيه تضـرب, ينبغـي النصر بأقل الخسائر والمجهـودات على حساب ركيزة مهمة بجيش الأعـداء ألا وهي الغفلـة وقلة الحـذر, هيا تقدم ولتكن أنت بداية اللعنة على ذلك الشيطان”. انتبهتُ لنفسي عندما وجدتُ خلفي طبيب العمال وهو يصرخ فيّ “هيا نهرب، فلقد علم الإله “نتر” بأمرنا ومكاننا, ها هو نباح كلابه البعيد يحمله لنا الريح كي نأخذ الحذر ونتدبر أمرنا, هيا تحرك، لا وقت أمامنا لهذا الصمت”. ارتفعت أصوات الكلاب حتى غطّت على هتافات العمال بروح الإله “نتر”، فلم أجد نفسي غير أني ألهث خلف طبيب العمال في طريق طويل لا أعرف له نهاية. وبعد وقت طويل شعرت أننا أصبحنا في أمان، فتوقفت عن الجري وطلبت من طبيب العمال أن يتوقف حتى آخذ أنفاسي ويستريح جسدي الذي ما زال يعاني من ألم عضة الكلب، لكنني فوجئت بأنه بيننا وبين جنود وكلاب الإله “نتر” مسافة ليست ببعيدة. لم نجد لنا طريقاً للنجاة غير أن نسلك الطريق نحو الوادي المظلم, فالكلاب حولنا وأسوار العاصمة تحاصرنا فحملتنا أقدامنا لموت لا نعرفه خوفًا من موت نعرفه.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.