Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

المراقب العراقي تنشر رواية «الشيطان يحكم العاصمة» للكاتب المصري فرحات جنيدي

3901

فرحات جنيدي كاتب وقاص مصري، مدير مركز الحوار لبحوث الرأي العام والدعاية والاعلان، عضو اللجنة المركزية للحزب الناصري، كتب المقالات في عدد من الصحف والمواقع العربية، صدر له كتابان (الأحزاب والمال السياسي .. مقالات في الشأن المصري)، و(رائحة الدم الطيبة.. مقالات في الشأن العربي)، اضافة الى أن كتاباته شملت: المسرح (دموع ضاحكة)” 2003 ـ عرض على المسرح العائم وساقية الصاوي. السيناريو (حدود من نار) 2004. الرواية (أحزان الأفاعي) 2011. له كتابان في عالم القصة القصيرة: (قانون صاحبة العطر) 2015، و(مهاجرون) ومضات قصصية 2016. تنفرد (المراقب العراقي) بنشر رواية (الشيطان يحكم العاصمة) اسبوعيا، للكاتب فرحات جنيدي قبل طبعها وتوزيعها في مصر او في أي مكان آخر، وهي بذلك تؤكد تواصلها مع الثقافة العربية، ودعمها للكتاب والمثقفين في كل مكان.

الفصل العاشر

تسلقت الدهشة جدار عقلي بعدما تلاشى ستار الغموض عن الوادي المظلم، واكتشفت عيناي حقيقته، فسخرت من نفسي ومن عقود مرت على الآباء والأجداد في العاصمة من دون أن يحاول أحد كشف الستار عن تلك الخرافة التي توارثتها الأجيال عن الوادي المظلم، ممر النهر القديم المتصل بشكل مباشر بقصر الإله. لكن الدهشة الحقيقية تملكتني بعدما فرد جناحيه وحلق بي إلى عنان السماء وامتلأ قلبي بإيمان كبير، إنه “ماو”، لكن المفاجأة جعلتني أنتفض على الحقيقة، إنه سجين الظلام الأبدي, يتحرك كما تتحرك الخفافيش ليلاً للبحث عن الطعام. تشم وتسمع وتصدر أصواتاً مرتدة لتهتدي بها وتتعرف على طريقها ولتتجنب الارتطام بعائق يعترض طريقها. كان هو كذلك يعتمد على التنصّت لصدى الصوت ليهتدي به في طريقه ليترجمه بسرعة ويقدر المسافة بينه وبين هذا العائق وحجم الأشياء من حوله, فيدير اتجاهه متجنباً الاصطدام به. لكن ما الغريب ونحن جميعاً أبناء الظلام من ظلمة الأرحام إلى ظلام الدنيا ووحشتها وغموضها. تذكرت حياتي وسط القبور وعتمة الضيق والمجهول, يسكن الكهوف الغابرة التي خلفها النهر والمغارات المنسية داخل التل المظلم الذي يفصل العاصمة عن النهر, وكما حجب التل المظلم النهر عن العاصمة حجب تل الخوف أعيننا وقلوبنا عن رؤية الحياة، فلا فرق بين مسجون في ظلام العمى مقبور في وحدته بيننا, فنحن نسكن الملاجئ الممتلئة بأنفاس الجوعى وأنين المرضى لا نملك قدرنا ومصيرنا تحت أقدام الجند كخيط العنكبوت ما أسهل القضاء عليه. حتى أعيننا التي نبصر بها تتألم وتتعذب ليلا ونهارا ونحن نشهد آباءنا وأجدادنا يموتون في العراء في حين أن بيوتهم التي بنوها ووُلدت فيها أحلامهم يسكنها الجند أو كلابهم ولا نفعل شيئاً غير أن ننكس الرؤوس ونعمل ونعيش حسب القواعد التي وضعوها لنا بأننا متشابهون. فالشيطان يحكمنا ويسكن صدورنا حتى الخفافيش التي ليس في عينها نور البصر كانت أفضل منا, نعم، أفضل منا بكثير فلقد حولت عالمها المظلم الموحش إلى عالم يمكن العيش فيه وظلت متمسكة بذلك الإطار وجعلته منطلقاً وبوابة للحياة ونحن لم نفعل شيئاً. أدهشتني حالة التمرد التي خلقها لنفسه ذلك الرجل حارس باب النهر فلقد اختار بنفسه النفي في الوادي المظلم وجعل من كهوفه بيتاً له لكنه آمن لا يغلق باب كهفه بصخر خوفاً من أن تطارده جنود أو كلاب الإله “نتر”. كان يمكنه أن يهرب خارج العاصمة لكنه رفض وظل متمسكاً بعهده للإله “بابا” أن يظل حافظًا سره وحارساً لباب النهر هنا في الوادي المظلم حيث مضى النهر وتراقص بين أحضانه قبل أن يضرب الجفاف العاصمة. واجه الظلام وصارع الموت مرات، لكن رغبته في الحياة جعلته يعانق بعزيمته السماء وهو الذي لا يعرف للصداقة عنوان، أصدقاؤه هم السيف والرمح والقوس.
أمسك بقط اتخذ لنفسه مكاناً منفرداً بعيداً عن رفاقه وأفرد قدميه ووضع رأسه عليهما، وارتفعت أنفاسه تعزف لحناً مؤلماً على طاولة من الرمل على مقربة من كهفه. كان القط يتألم من جراحه التي سببتها له معركته مع الكلا , وكنت في قرارة نفسي أتمنى أن يهمس لي في أذني عما بداخله وأنا أنظر إليه وهو يتلقى العلاج من حارس باب النهر، وتذكرت نفسي وأنا أصرخ في رفاقي أن يحملوني لطبيب العمال. شعر بوجودي خلفه، فنظر نحوي كأنه يراني وابتسم وقال: هل تعلم أن من يصل للنهاية هو آخر من يموت، وفي ذلك الوقت يكون لموته قيمة؟ بينما لا قيمة للموت لمن عاش حياته كلها واقفاً مكانه مستسلماً. وكله في النهاية موت يكشف لنا عن الحقيقة الوحيدة الأكثر ألماً في تلك الرحلة التي نسميها حياة. لكن بالنسبة لي الأمر يختلف لأنني أصنع منها أملاً والأمل أن أصل للنهاية قبل أن يأتي الموت. صمت لحظات ثم عاد ورسم على وجهه تلك الابتسامة الجميلة وقال: تعال اقترب مني وضع يدك على هذا القط رفيقنا في هذا الوادي، ربما هو عاش حياة أفضل منا، لكننا أصبحنا اليوم شركاء وخضنا المعركة معاً وربما سنخوض معارك كثيرة في المستقبل، ومن أجل هذا عليك أن تتعرف عليه من قرب. تذكرت ذلك الرسم لوجه القط على ذلك المبنى بساحة الميدان الكبير وكلام جدي عنه أنه اختفى وانقرض فقلت لحارس باب النهر: حدثني عنه. فقال: هو يقتات على القوارض والأرانب البرية، مغامر بطبعه حيث يستطيع أن يهاجم طرائد أكبر حجماً في بعض الأحيان من شاكلة الغزلان الصغيرة، وهو انتقائي في أكله فهو لا يقرب الأمعاء وغيرها من الأعضاء الداخلية لذبيحته, ويتفادى أكل الشعر عن طريق قص اللحم ونزعه عن الجلد بدقة، إلا أنه مع ذلك يقوم بأكل ريش الطيور الصغيرة التي يمسك بها فهو يتميز بمهارته في صيد الطيور، وقادر على التقاط أحدها أثناء طيرانه. تعجبت لعلمه وقلت بشيء من الرغبة في معرفة الكثبر عن هذا العالم: وماذا أيضاً؟ قال: عندما ترى القط فارداً يداً واحدة للأمام فمعناها سلام، وإن إخراج اللسان قليلا للأمام يعني جوعان, والتمطع عقب تناول الأكل مع رفع الجسم لفوق قليلا يعنى الشبع، وثنى اليدين أسفل الجسم مع الجلوس والاستقرار يعني الرضا، وتغميض عين واحدة معناها استفهام وتعجب، ومد الأنف للأمام قليلا مع سحب نفس معناه توجد رائحة غريبة، والدخول على موقف بالرأس معناه التحدي، وهز الذيل بسرعة تعني الضيق وهز الذيل ببطء معناه انسجام، وثني الذيل بين الأرجل الخلفية لأسفل دلالة الهزيمة في المعارك. أما بالنسبة للغة الأصوات: “نونوة” مع إخراج اللسان قليلا للأمام يعني جوعان، وللقطط الصغيرة “نو، نو، نو، نو” بطريقة متصلة معناها أن القط ينادي على أمه، والنونوة الهادئة بدلع معناها الاستعطاف، ونونوة القطط الأنثى بحدة يعني تريد التزاوج، والبخ للقطط في الخصم مع ثني الأذنين للخلف معناه إخافة الخصم بطريقة فجائية، واعوجاج الرقبة للقطط مع وقوف الشعر، وتقوس الظهر ليبدو أكبر حجماً معناها استعداداً للمعركة. قاطعته وقلت سائلا: ألا ترى في كلامك عجباً؟ أ ليس غريباً أن من يصل لهذا العلم أن يصل به الحال لهذا الوضع؟
صمت ثم قال: كلما أزلت الجهل من قلبك رأيت الحقيقة أوضح. ثم عاد إلى صمته لحظات ثم تنهد وقال بحزن شديد: هذا قدرنا أن نحيا خريف الوطن, لقد شهدت العاصمة في عهد الإله “بابا” تطور لم يسبقه تطور وانتقلت العاصمة في عهده من ظلام حياة البادية إلى النور والازدهار والقوة وتقدير العلوم والمعارف، وهذا أربك الآلهة الأعداء فعهدوا إلى الخائن “نتر” بمخطط يهدف لتدمير العاصمة, وها نحن نشهد نجاحه الآن مقابل تقدم بقية العواصم ورجوعنا إلى التخلف والجهل والجوع والمرض. لقد تعلم الآلهة الأعداء من الإله “بابا” الكثير وقدموا كل ما لديهم من قوة وذهب لتطبيق تعاليمه في المعاملات، فالعدل والمساواة والإتقان والصدق وطلب العلم وغيرها هي عوامل تطورهم، لكن للأسف نحن تركناها فظهر الفساد والإسبتداد والطغيان، وانتشرت الجرائم والسرقات والبغاء والخمر والتهرب من أداء الواجب المقدس في حماية العاصمة و طلب العلم. ولم يكن الإله “بابا” بعيداً عن هذا الدمار فلقد شارك فيه بشكل كبير ففي الآونة الأخيرة لعهد الإله “بابا” أصبحت أمور الحكم في يد رجاله الّذين أصبحوا حكّاماً فعليين كل منهم في مكانه. ولقد تراخى الإله “بابا” في المتابعة والعقاب مما أعطى هؤلاء الفرصة لفعل ما يشاؤون وساعد في دعم الفساد وانتشاره في كل أركان العاصمة، هذا بجانب انتشار البذخ في قصور رجال الإله “بابا” بينما الرعية يضرب بأجسامهم الفقر والجوع والجهل. أما “نتر” فهو ثعبان وذئب في آن واحد، فقد توصل بذكائه إلى معرفة الكاهن الأكبر والتقرب منه واستخدم كل حيله فامتلك عقل الكاهن الأكبر فقربه منه أكثر وقدره حق قدره بعدما توسم فيه النجابة والشجاعة، فقربه منه أكثر وأكثر وجعله مربياً ومعلماً لحامل العرش الإله “ماو”. وحتى اللحظات الأخيرة قبل استيلاء “نتر” على عرش الإله “بابا” لم يغلق نهر معرفته وعلومه على حامل العرش “ماو” وأخذ يدربه على أعمال الفروسية وينمي فيه المواهب الحربية، وأظهر من مواهبه وحزمه في تعلم فنون الحرب ما أثار دهشة الكاهن الأكبر والإله “بابا”، لكنه كان كالسم في العسل, حيث كانت هناك مؤامرات سرية تدبر في الليالي المظلمة يدعمها “نتر” بالتعاون مع الآلهة الأعداء تهدف إلى تقسيم العاصمة وتجزئتها فشهدت العاصمة حرباً داخلية بين بعض رجال الإله “بابا” وبعضهم الآخر في أطرافها, ثم تطور الأمر إلى حروب داخلية أكبر تهدف إلى استقلال بعض رجال الإله “بابا” عن العاصمة وتكوين عواصم خاصة بهم، وإعلان أنفسهم آلهة عليها. وفي ذلك الحين عمل الإله “بابا” على إخماد مؤامراتها، وكانت تلك هي بداية تخريب ما هو قائم.
ففي الحرب دمار وهزيمة للمنتصر والمهزوم والحرب لا تقتل الآلهة ولا التجار ولا أصحاب الذهب فالحرب تقتل الأرض والبسطاء, ومن هنا انتشرت شظايا الموت في جسد العاصمة فنخرته وانتصر الباطل لأنه يمتلك مصلحة وأهدافاً وتنظيماً. وفي تلك الأحوال انتشر الفساد والبغاء داخل وخارج القصر، وترك الجند مهامهم واشترى “نتر” حرس الإله “بابا” بالبغايا والخمر والذهب ففعل ما فعل من دون أن ينتظر منهم أن يغمضوا أعينهم عنه. طابقت كلامه بكلام المرأة الأربعينية فأمنت له أكثر لكني قاطعته والحيرة تضرب رأسي وقلت سائلاً: هل تلك هي كل الحقيقة؟ عادت إليه ابتسامته لكن تلك المرة كانت ابتسامة ساخرة، وقال: لكل شيء على هذه الأرض وجهان, وما علمته هو ما رويته لكن للحق أقول لك ابحث بنفسك عن الوجه الثاني. قاطعته مرة أخرى وقلت: وهل هناك وجه ثانٍ للعاصمة؟ قال بثقة كبيرة: بل أؤمن بذلك وهناك كثير غيري وهذا ما يجب عليك أن تكتشفه.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.