Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

كيف ينظر الإمام الخميني»قدس سره» إلى الإنسية كمبدأ ؟

158

واجه المسلمون بعد انقضاء مدة الاستعمار والانتداب المباشرين،مرحلة جديدة تعد أخطر من سابقتها وهي مرحلة الغزو الثقافي خاصة بعد أن نصبت الدول الامبريالية الاستعمارية حكومات متخلفة وعميلة مرتبطة عضوياً بها في كل بلاد المسلمين تقريباً.ولم تكن حكومة الشاه ببعيدة عن تلك العمالة القذرة.بل لعل الشاه كان العميل الأكبر والأهم للإستعمار والاستكبار في المنطقة،وما لم يحسب الغرب حسابه ولم يتوقعه هو خروج رجل من الحوزة العلمية يقلب الطاولة عليهم ويحيي فكر أهل البيت(عليهم السلام) مقيما دولة تتخذ من الإسلام أساساً ومن ولاية الفقيه المطلقة تطبيقاً وتجسيداً لذلك الأساس،فأنهت حكم الشاه المقبور وفتحت أفاقاً رحبة للدين مازلنا نقطف ثمارها ليومنا هذا.عندها قامت قائمتهم ولم تقعد وحاولوا أن يجهزوا على الثورة في مهدها دون جدوى.ومن تلك المحاولات التي مازالت ليومنا هذا مستمرة ـ إضافة للحرب العسكرية بالنيابة التي يخوضها أعراب الخليج وشذاذ أفاق العالم ضد الشيعة وضدها بصفتها الدولة الشيعية الوحيدة المدافعة عن حقوق المسلمين كافة في العالم ـ من تلك المحاولات محاولة ضرب البنية الدينية الإسلامية من اساسها فكرياً،وثقافياً كي يتسنى لها(الدول الاستكبارية) التغلغل العسكري بعد أن تضعف الدين وتحيده لدى الناس،لكن الامام الخميني(قدس سره) وبما عرف عنه من بعد نظر،ومقدرة ثاقبة على قراءة ما وراء الأحداث تصدى لتلك المحاولات الرامية تهديم المنظومة الإسلامية خاصة بالأفكار المادية إذ يؤكد(قدس سره) ضرورة الوعي أمام الغرب ونفي الإنبهار به فيقول:
«يجب أن ندمر جميع القيود البالية والخالية التي دفعت الناس إلى الانبهار بالغرب طيلة الخمسين عاماً. ونشكّل حكومة مبنية على أساس العدل والإنصاف لجميع طبقات البلاد. ونطلب من الناس أنْ يعتمدوا على مبادئهم الإسلامية،وانْ يرفضوا الغرب والمنبهرين به الذين سببّوا انهيار ودمار ثقافتهم».
والحجر الأساس والصورة الواضحة لثقافة الغرب هي « الهيومانيزم Humanism»» أو (الإنسية) أي الإيمان الراسخ بقدرة ومكانة الإنسان واصالته لمتطلباته ورغباته.
وترجع جذور(الإنسيّة) إلى اليونان القديم،الى ما قبل السقراطيّين،هناك الآلهة تكون رقيباً للإنسان.
طرحت هذه النظرية في عهد النهضة العلميّة بشكل جديد،وبالإعتماد على الأهواء الإنسانيّة المحضة وقد تحوّلت إلى فلسفة،تعدّ أنّ البعد الماديّ للبشر هو معيار وقيمة كلِّ شيء. ففي (الإنسيّة) إنّ الإنسان مقطوع ومنعزل عن السماء وعالم المعنى،وله حاجاته الفطرية والتصنعيّة،والتي تكون معياراً لكلّ شيء وبتعبير غينون(الكاتب والمفكر الفرنسي الذي أسلم فيما بعد):»في الحقيقة المقصود من هذا المصطلح هو أنّ كلّ شيء يتعيّن بمعايير ومؤشرات بشرّية محضة و..بحجة السيطرة على الأرض،ينصرفون عن السماء».
بناء على هذا،فانّ أساس الهيومانيزم (الإنسيّة) لم يكن شيئاً سوى الأهواء الإنسانيّة.والأهواء معبّرة عن الأبعاد الإنسانية المنفصلة عن الأمور المعنويّة والمتعالية التي تعزل الإنسان عن القوى المعنوية العالميّة.
الأهواء تُعبّر عن البُعد الدنيء لوجود الإنسان، الذي لم يتصل بالله عزّ و جلّ عن طريق ايعاز العقل،وتصوغه ليسيطر على الطبيعة والفطرة فقط. لذا يكون مقابل البعد المعنوي الروحيّ، هذا البعد من الإنسان مُرتبط بالدنيا وتعطي ما يتعلق بالإنسان بعداً مادياً ودنيوياً صرفاً وبتعبير شريعتي:اية بشرية امر وهمي لا جود لها.أصالة البشرية بمعنى مشاركة جميع الشعوب في معنى واحد وحقيقة واحدة،أي مشاركة الإنسان الفقير الإنسان الغني..
الإمام الخميني (رضوان الله عليه) كرجل دين وعالم رباني، ذو نظرة توحيديّة للعالم مستلهمة من السنة المحمديّة،له نظرة للإنسان تختلف بصورة كاملة مع الهيومانيزم (الإنسيّة).
الإنسان من وجهة نظر الإمام (رض):ظل الله وخليفته في الأرض،ويتصف بفطرة الهيّة،طالبة للحقيقة والعدالة،يتشكّل وجود الإنسان من عنصرين،عنصر ملكوتيّ،وعنصر ماديّ ولا يفترقان عن بعضهما.
يقول الإمام الخميني (رض) في الإنسان ونفي الهيومانيزم(الإنسيّة):لاحظوا كلّ المذاهب باستثناء مذهب الإسلام.. تصوّر الإنسان حيواناً،موجوداً ينحصر همه في الأكل والنوم،لكنْ يطلب أفضل الأكل وأحسن النوم..للإنسان درجات.. الإسلام يعيّن لهذا الإنسان الذي يمثل كل شيء..أي من الطبيعة إلى ما وراء الطبيعة،حتى العالم الإلهيّ له درجات، الإسلام عنده رسالة فطريّة وبرنامج..».
كما ويعتقد الإمام الخميني(قدس سره) بأنّ إعراض الإنسان عن الحقِّ تعالى،الحقيقة والمعنويات وانفصاله عن السماء والتعاليم السماويّة المبنية على رسالة الوحي،هو إنحراف عن فطرة الإنسان الحقيقية.الفطرة التي تطلب الكمال وتبحث عنه. لذا «نظرية الفطرة» المبنيّة على الوحي التي أكدّ الإمام (رض) عليها مرات عديدة هي النقطة المقابلة لنظرية الهيومانيزم الغربيّة (الإنسيّة).
كذلك يؤكِّد الإمام الخميني(قدس سره) كمال الإنسان الذي هو كمال معنويات الإنسان،ونمو فطرته السير نحو التوحيد والحقيقة،ويؤكد أن الإنسان الكامل هو خليفة الله في الأرض ومظهر صفات الحقّ تعالى. ليس الإنسان الكامل برأي الإمام(قدس سره) الإنسان الذي يسعى بصورة جيدة إلى أمنياته ويطلب ويفكّر جيداً ويأكل ويعيش بصورة جيدة،بل هو كتاب الله والمثل الأعلى له تعالى،فمن خلاله تتمظهر صفات الحق جل وعلا إذ يقول الإمام:»الإنسان الكامل هو الكون الجامع،والمرآة التي تعكس جميع الأسماء والصفات الإلهية..هو الكتاب الإلهيّ..والمثل الأعلى لله..هو الذي خُلِقَ بصورة الحقّ تعالى ـ أي بالصورة التي أرادها له تعالى. لا كما تقول الوهابية بأنه خلق على هيأة أو شكل الله (والعياذ بالله).لأن الله جلّ وعلا ليس جسماً وليس له حد وهو مفتاح باب معرفة الله تعالى..».
بناءاً على وجهة نظر الإمام الخميني(قدس سره) فإن الإنسية (الهيومانيزم) التي هي بمعنى الأهواء والميول الإنسانيّة، مرفوضةٌ لأنها مهما ساعدته في كشف قوانين الطبيعة والسيطرة عليها،وتوفير الحياة الماديّة والرفاهيّة،إلا أنّها من جهة أخرى لا توفّر له الأمور المعنويّة، وفي الحقيقة تعدّه وجوداً مادياً محضاً،في حين أنّ الإنسان ليس حيواناً مستقيم القامة، بل هو كائن فيه بعد معنويّ، وهو متعالٍ وإلهيّ أيضاً.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.