Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

حين ضاع الهاتف

163أ حمد الغازي/ شاعر وقاص مغربي

ضاع مني هاتفي من نوع سوني إريكسون، اشتريته في فصل الصيف حيث كنت أصطاف بين أحضان فيلات كاليفورنيا المغربية، فيلا ترميني لفيلا، تارة عاملا في الصباغة وتارة عاملا في البستنة، أتقاسم حرارة غشت (آب) مع تلاميذ، طلبة ومعطلين، جئت من جوف المغرب وأتوا من هوامشه التي تآكلت بفعل النسيان.
ضاع مني في الوقت الذي كنت أمشي حثيث الخطى، وسط النخل والرمان وأشجار اللوز، مختصرا الطريق نحو الثانوية.
يا للخسارة! ألا يكفيني ظلم الأيام وجورها؟، الكلام يخرج من فمي مشلولا وأنفاسي تكاد تنحبس لفرط القلق والحيرة. أين ضاع؟ وكيف لي أن أشتري واحدا جديدا؟ فما من عمل في بلدتي. ولا وقت لدي كي أعمل. رواية اللص والكلاب تنتظرني ودروس الفلسفة و الإجتماعات؟ ما هذا الحظ الأعوج؟!
ألمني كثيرا ضياع هاتفي، وعلمت أمي بالخبر. فقالت لي بلسان واثق من الحروف التي يلوح بها: «بني توجد إمرأة عرافة، شوافة هي ستدلك على مكان هاتفك. عن طريق ما يسمى بتقنية (الدون)».
لم أتقبل الفكرة، ورفضت قطعا، وشرحت لها أن ذلك مجرد كلام لا يتقبله العقل وأنها لو كانت تملك مفاتيح التيسير، لأخرجت نفسها من الزلط الذي تعيش فيه. الشريفة تلك، لها ملامح لا تزورها الابتسامة أبدا، وإذا أطلت عليك في الصباح، فاعلم أنك ستزيدك جرعة تشاؤم وبؤس شديد. البنات يسارعن الخطى، كلما سمعن بأنها حضرت للدوار كي يضربن الدون، علّ فارس الأحلام يأتي إليهن يمتطي فرسه، ويرتدي عمامة بيضاء وكمية من النقرة، ليطلب أيديهن من الشيباني. يخرجن يتهامسن ويحكين عما رسمت لهن الشريفة قبال أعينهن من أحلام من سراب. يبتسمن ويتنفسن الصعداء وينتظرن «زمانهن»، الزمن يمضي والزمان لا يجيء، وتذهب الشريفة وتعود، ويرجعن إليها وهكذا.
المهم أنا، وفي ذلك السن برغم أني لم أتغذّ على الكتب، ونشأت في تربة تنمو وتترعرع فيها ثقافة الدجالين، و»الكتبة» عند الفقيه، و»الطيرة» ومجموعة من التقاليد مفتاحها اجتهاد الجهل وتصديقه بالإجماع لأن تركيبة الناس وتكوينهم النفسي تتيح ذلك. برغم ذلك لم أستسغ فكرة عرض الأمر على الشريفة، فقررت أن أستسلم لأمر الواقع وصبرت نفسي بـ»اللي مكتابة مكتابة».
مرّ شهر تقريبا على الحدث، حتى إني نسيت أمر الهاتف أو تناسيته إن صح التعبير، ولم أعد افكر في الثلاثمئة درهم الثمن الذي اقتنيته به في قيسارية ليساسفة.
ثم ذات صباح، أخبرني أحد الأصدقاء أن رجلا يسأل عني بعدما علم بواقعة الهاتف. وأخبرني أن الهاتف بحوزته وعليّ أن أذهب للقياه.
ذلك اليوم عدت للتو من المدرسة رميت محفظتي جانبا وأخذت دراجتي الهواية، ركبت ودفعت الدواستين بكل ما أوتيت من قوة وفرحة. رئتاي ترقصان من شدة الفرح وقلبي يغني تيك تاك تيك تاك.
وصلت وشكرت الرجل بالامازيغية «تنميرت باهرة». وعدت مسرعا للبيت. أخبرت أمي. شاركتني فرحتي.
وقلت لها: «لو ذهبنا عند الشريفة الشوافة لزادت شعبيتها اعتقادا منا أنها السبب في العثور على هاتفي».
فردت علي بقلب مؤمن: «إنه كسب حلال يا ولدي».

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.