Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

حظر أفكار

266

غسان عباس محسن

علا صوت صفارات الإنذار فانخفضت أصوات الناس، حتى لكأن الأحاديث الإعتيادية قد تحولت بالتدريج الى همسات أحدثت بمرور الوقت ضوضاء مميزة ناجمة عن الخوف الذي صار يتسرب الى الناس مع دخول ذلك الصوت إلى آذانهم وكأنه أفعى سامة تتسلل إلى الرؤوس المضطربة فتبعث بها وتتركها خاوية، وثارت عقب ذلك بعض الأحاديث العابرة بين الأشخاص الذين كانوا يتدافعون قرب بوابة أحد الملاجئ حيث كنت معهم برفقة والدتي التي احتضنتني وهي تدخل معي الى المكان الذي بدا ككهف مظلم لا تربطه اي صلة بالعالم الخارجي، وذلك ما جعلني أكرهه برغم إدراكي لكونه مكاناً اكثر أماناً من ذلك العالم في زمن الحرب الهوجاء التي كانت تعبث في المصائر والشعوب. رفعت رأسي للتطلع في وجوه بعض الأشخاص ممن كانوا يتبادلون الأحاديث ليشعروا من حولهم بالأمان قبل ان يغلق الجميع أفواههم ويلوذوا بستار الصمت عقب إنفجار مهول وقع في مكان غير بعيد من الملجأ ، ثم ساد السكون للحظات فإلتفت إلى والدتي فرأيتها وقد تملكها الخوف وصارت جميع أعضائها ترتعش ولكني لم اكترث لذلك بل سألتها: ماما، هل يقصفوننا؟
ـ اُصمتْ لأنهم سيسمعون كلامك واذا فعلوا ذلك فانهم سيقصفوننا.
ردت عليَّ بنبرة خائفة فآثرت الصمت اذ كنت خائفا انا أيضاً وخشيت ان يكون بمقدور طائرات العدو التي كان بعض الناس ينسجون الأكاذيب الكبيرة حول قدراتها ان تسمع همس طفل صغير مختبئ في ملجأ ما في احدى أطراف هذه المدينة الكبيرة، وان تعمد بالتالي الى قصفه لكني لم استطع ان امنع نفسي عن التفكير، وتساءلت في سري خلال تلك اللحظات: ترى هل يستطيعون ان يسمعوا أفكاري؟
ـ ـ
كان المسؤول الجالس في مكتبه يحملق باهتمام في وجوه الموظفين الذين جلسوا في القاعة الكبيرة وقد تظاهر كل منهم بالإنشغال في فعل أشياء ذات أهمية برغم ان العمل المناط بأي واحد منهم لم يكن ليستغرق الكثير من الوقت ولكن الخوف من المسؤول هو الذي جعلهم يفعلون ذلك، فقد جلس خلف كرسيه الكبير وهو يحملق فيهم بعينهِ النهمة فيما كانت أفكار عديدة تسوقه يميناً وشمالاً كأنها تيارات بحرية متضاربة لا تعرف الإستقرار، وفي لحظة ما استدعى مساعده الذي كان ينقل إليه الأخبار وما كان زملاؤه يقولونه عنه فيعمد الى معاقبة هذا وتأنيب ذاك، حتى علم الجميع بأمر هذا المساعد، فلم يعد أحد منهم يتفوه أمامه بكلمة تسيء الى المسؤول الذي إحتار في أمره، وقرر ان يشغل الجميع بأعمال كثيرة معظمها تافه وغير مهم، لكنها كانت ستمنعهم عن تبادل الأحاديث فيما بينهم الى حد ما، وبالتالي سيكون قد منعهم عن ذكره خلال تبادلهم تلك الأحاديث. دخل المساعد غرفة المسؤول ثم وقف على مسافة منه مسبلاً يديه خافضاً نظره كالمجرم الذي لا يجرؤ على رفع رأسه في حضرة القاضي فخاطبه المسؤول وقال: ما الأخبار؟
ـ لا جديد سيدي.
أدار المسؤول كرسيه المتحرك نحو القاعة التي فيها الموظفون ثم قال له: أترى ما فعلت معهم؟ لم يعد اي منهم يمتلك المجال ليتحدث أصلاً، فأمثال هؤلاء لا يجب ان يجدوا الفرصة للتحدث في أمور اكبر منهم.
هزّ الواشي رأسه وكأنما ليؤمن على كلام سيده من غير ان يحاول إجهاد نفسه في فهمه ثم انتبه الى سيده وهو يواصل: ومع ذلك فأنا ما زلت غير مرتاح من ناحيتهم، فقد لا يتحدث احد عنك ولكنه حتماً سيفكر فيك لذا فأنا أفكر في طريقة تجعلهم يعجزون فيها حتى عن التفكير فيّ بشكل سلبي.
تطلع الموظف الواشي في وجه سيده بملامح مندهشة وكأنما لم يعرف ما كان يدور في خلده او ما كان يقصده بكلامه لكنه لاحظت بان مسؤوله كان يصوب نظره نحو أحد الموظفين في تلك القاعة الكبيرة.
ـ ـ
بدا وجه مدير المدرسة صارماً أكثر من المعتاد أثناء تطلعه في وجوه الطلبة المراهقين الذين وقفوا أمامه صفاً واحداً تاركين ظهورهم لذلك الجدار الذي تأكل غلافه الخارجي بفعل الزمن وقد صاروا يرتعشون أثر موجة البرد التي هجمت عليهم برفقة تيار من الهواء الجاف، وتذكرت وانا أقف هناك بين زملائي الطلبة كيف كانت أمي العجوز توصيني بضرورة الإبتعاد عن المشاكل في المدرسة او في غيرها من الأماكن، وكذلك تأكيدها ضرورة ان أتجنب الموضوعات التي تتعلق بما يمنع التحدث فيه عادة، ويعد من الأمور المحرمة، ولا سيما موضوعات الدين او الجنس او السياسية، حيث كانت تحذرني بشدة من الحديث في هذه القضايا وخاصة اخر واحدة منها، إذ أني كنت أدرك بان تورط احد ما فيها سيسبب له الكثير من المشاكل التي لا قبل لفتى ضعيف مثلي على مواجهتها. لذا شعرت بان العرق قد صار يغزو جبيني برغم ان البرد كان يملأ الجو وحينما وقف المدير قبالتي وجعل يتطلع لبرهة من الوقت في وجهي الذي غصفرَّ لونه بعينيه اللتين نظرتا اليّ من خلف زجاج نظارته السميكة، فشعرت بالذعر مثل عصفور يقع في مصيدة مميتة حتى لو لم أكن انا من اطلق تلك الكلمة البذيئة ضد النظام السياسي في بلدي، وحتى لو لم أشارك الا بضحكة تعقيباً على تلك الكلمة. ولعل مصدر ذعري كان يعود إلى خشيتي غير المبررة في ان يكون المدير عارفاً بما كان يدور في خلدي من لعن هذا النظام والحزب الحاكم الذي يروم بمعاقبة صبية صغار على مجرد كلمة أطلقها احدهم. لم يطل المدير وقوفه أمامي اذ سرعان ما التفت الى معاونته وقال له: هذا ولد طيب ولا علاقة له بهؤلاء الملاعين، وهكذا عدت الى الصف بعد ان تنفست الصعداء اخيراً وامتلأت بالامتنان لذلك المدير، كما اني شعرت بالارتياح ذلك اني أصبحت واثقاً من ان احداً لن يستطيع ان يحظر أفكاري مهما كانت سطوته ونفوذه، حتى وان لم استطع التصريح بها فهي بالنسبة لي سماء لن يحلق فيها انسان آخر سواي.
ـ ـ
حينما حاول مسؤولي في العمل ان يدقق النظر في عينيَّ شعرت بتوتر كبير، اذ ان نظراته إليّ بدت وكأنها سهام صارت تسبر أغواري لتفضح كل ما كنت اكتنزه من أفكار وخواطر وذكريات، فشعرت لوهلة وانا أقف أمامه باني مجرد فتى غض لا يعرف الا القليل عن الناس، في مقابل رجل حنكته الايام والتجارب حتى كأنه صار يفهم ما يدور في خلد الانسان بمجرد التطلع في عينيهِ. وقد إزداد شعوري بالإضطراب خاصة باني انتبهت الى انه قد استدعاني بعد ان كان (الواشي) عنده منذ عدة لحظات خلت وذلك ما جعلني أفكر في أشياء عديدة، وانا أصعد السلم الذي يقودني الى غرفته، فراجعت خلال لحظات ما كان يدور بيني وبين زملائي من أحاديث فلم أعثر على أية زلة لسان قد أعاتب عليها وذلك ما زاد من قلقي وتوتري فان لم يطلبني ليعاقبني على زلة لسان، فلم يا ترى طلبني؟ وظل القلق ملازماً لي حتى بعد ان إستقبلني المسؤول بوجه باسم وقدّم لي الحلوى من العلبة الصغيرة التي كانت بقربه، ولم يطل صمته كثيراً اذ سرعان ما نطق قائلا: قد تتساءل لِمَ إستدعيتُك الآن، في حقيقة الأمر أنت شاب جيد وموظف مثابر لذلك إخترتُك لعمل مهم وجدتُك جديراً بأدائه.
برغم كرهي لهذا الرجل الا اني أمّلت ان أحصل على إمتياز ما او ترقية ترفع من مرتبي فسألته بنبرة تفاؤل حذر: وما هذا العمل؟
ـ أريد منك ان تنقل لي ما يدور بين زملائك من أحاديث خاصة تلك التي تتعلق بالعمل وبي أنا شخصياً.
تبدد تفاؤلي في لحظة واحدة بعدما توقعت خيراً من رجل لم ارَ منه الا كل شر وسوء طوال المدة التي عرفته فيها لكني حاولت أن أتمالك نفسي، فقد إعتدت منذ زمن بعيد أن أسيطر على ما كان يدور في رأسي من أفكار وإنطباعات، فبعض الافكار يكون مجرد التلميح بها كفيلاً بإنهاء حياة الانسان، لذلك سيطرت على إنفعالي وأجبته بكل بساطة: آسف أستاذ لا أعتقد بأني قادر على إنجاز هذا العمل.
تطلّع في عينيّ لوهلة وهو يحاول أن يجد ثغرة ينفذ من خلالها إلى ما كان يدور في خلدي لكنه عجز عن ذلك اذ لم يكن يعلم بانه يقف إزاء رجل تعلّم حتى كيفية كتم أفكاره وكبت مشاعره لمنع آثارها من الظهور على ملامحه فلم يجد بدا من الإستسلام واومأ إليّ لكي أغادر غرفته وأعود الى عملي فشعرت وانا امضي مبتعداً عنه باني نورس جميل يحلق في سمائه الخاصة التي لم يعرفها احد سواه، برغم اني حلمت ان يأتي اليوم الذي أستطيع ان أصرح بكل ما يدور في رأسي من أفكار وخواطر دون خوف من أي إنسان آخر.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.