Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

المراقب العراقي تنشر رواية «المتلصّصة» للكاتبة اللبنانية زينب فياض

489

زينب محمود فياض كاتبة من لبنان. ولدت وعاشت في الكويت، ثم انتقلت إلى لبنان لتكمل تعليمها في دراسة الأدب العربي. تنقلت بين التعليم وإعداد وتقديم برامج الصغار التلفزيونية. كانت من المشاركين في تأسيس جمعية (حواس) الثقافية. أصدرت أول رواية لها (المتلصصة) والتي تنشرها (المراقب العراقي). لها كتاب حواري مع الفنان والاعلامي والاستاذ الجامعي عبد الحليم حمود اسمه (المطرقة)، ولها روايتان قيد الطبع.
كتبت زينب فياض هذه الرواية لتستفز العقل الراكد في مستنقع الخيبات. بدأ من عنوانها الذي أثار بعض الجدل والتحفظات حيث أن هذه الصفة قد تبدو للمجتمع سلبية ومحرضة للعقل ليتجه بتساؤلات مستنكرة. كيف لمتلصصة أن تجهر أمام الجميع بهذا الفعل المثير للريبة.

الحلقة الثامنة

كان يجب أنّ أستغرب أو أنصدم وأفتعل أي تعبير ينمّ عن حزن ودهشة، لكن الشيء الوحيد الذي أحسستُ به ولم أُظهره أنّني شعرت بالانتصار. ألم أقل سابقاً إن الغباء يكبر مع الفتاة ولكن تتغيّر مصادره وأسبابه فقط؟ أي انتصار هذا؟ ضحكت من هذا الشعور الأحمق. عبد أنهى دراسة المحاماة والتحق بعمل حكومي بإحدى الوزارات. تزوّج من فتاة تعرّف إليها في العمل فنشأت علاقة تفاهم. هي من اللواتي يقبلن بموظف ذي دخل محدود عكس رولا ابنة الحسب والنسب والتي مانع أهلها ارتباطها برجل فقير. جال في خاطري سؤال ملحّ لو لم أسأله حينها كنت سأموت من التطفل «رولا وينها»؟ تبسّم عبد «منذ مدة اختارت الطريق الذي يناسب طموحها. يبدو أنّي لم أكن طموحاً لأحد في يوم من الأيام». كدت أنّ أنطق بكلمتي للمرة الثانية وأصرخ في وجهه وأقول «أنت طموحي ولكنك فضّلت الشقراء». وللمرة الثانية يكون سبب عجزي عن نطق هذه الكلمة امرأة أتت من بعيد لتقف معنا، هذه المرأة بدت لي مختلفة نوعاً ما، لم تكن بجمال رولا الشقراء حتى أنّني لم أعرف ما لون شعرها. كانت قد حجبت كامل شعرها وجسدها بخمار. نظرت لها باستغراب ودهشة حين بدأ عبد يعرّفني إليها، لم أعد بوارد التعارف، كلّ ما خطر ببالي سؤالي المتطفل الذي لم أنطق به حينها «أنت ألبستها هذا الخمار أم هي اختارته؟ لم تعد تسمع ناظم الغزالي ولا عبد الحليم حافظ؟ كيف هي معتقداتك الآن»؟ كلّ هذا التطفل قضى عليه صديقي عارف حينما أمسك بيدي وأخذ بي بعيداً لنترك هذه العائلة بسلام.
بعد أن مشينا ربع ساعة بين رفوف الكتب المكدسة وفي دهاليز معرض الكتاب من دون أن يكلّم أحدنا الآخر، سألني عارف ليكسر الصمت «نحن في مجتمع متغير ومؤلف من عشرات المعتقدات والمذاهب، ماذا حلّ بكِ وأنتِ تمعنين النظر بزوجة عبد كبلهاء»؟
جلست على كرسي ونظرت تجاه عارف «اجلس لقد تعبت من الدوران في أزقة المعرض، لنأخذ بعض الوقت المستقطع ونشرب القهوة». قدّم لي عارف الفنجان وهو يبتسم «تتبدّل قناعات وآراء الناس وفق تغير السياسات وما تقدمه المذاهب والطوائف من قناعات. أمر طبيعي أن نرى مجتمعات بأسرها قد تحوّلت بلباسها وتفكيرها واعتناق ما تجده الأفضل والأقرب لروحها». حينها نظرت لعارف وهززت برأسي معلنة موافقتي على ما قاله وأردفت قائلة: «الغريب أنني عرفت لاحقاً أن عبد كان مسيحيّاً! هذا الذي أدهشني». نظر لي حينها عارف واعترته ضحكة تناهت إلى الجالسين على الطاولات البعيدة «الآن فهمت سرّ تعجّبكِ». وفتح يديه كمن يرحب بأحدٍ ما «أنتِ في لبنان عزيزتي توقعي كلّ ما هو غير متوقع». ضحكنا حينها على نفسينا وعلى هذا البلد الغريب وعلى السياسة الأغرب التي قلما تحدثتُ بها أو أعرتها اهتمامي. كنت وما زلت أكفر بكلّ السياسات التي تحمّلنا وزرها وآثامها منذ عهود مضت. ماذا تنفعني الطوائف وأنا لا أملك إلاّ الخيبات والتعاسة والملل منذ أن وُجدت على هذه الدنيا. اشتريت كلّ الكتب التي تتحدّث عن السياسة في ذلك المعرض والأكثر انتشاراً وشهرة في حينها. عندما عدت لمنزلي وضعتها في حاوية المهملات وأحرقتها. صفّق لي عارف «أيتها المجنونة يجب أنّ تحرقيها في الشارع أمام المسؤولين وشاشات التلفزة لتعلني حالة جنون متفردة». يبدو أنّه لا يستهويني الجنون العلني. أحبّذ أن أفقد عقلي وحيدة إلّا من صديق يجاريني في الهذيان، عارف المقرّب لتعاستي. بعد تلك الحادثة الهزلية قررت البدء بالكتابة. أتذكرأنّني هاتفت هادي لأخبره «سأكون مثلك أكتب وأكتب وأجنّ مراراً وتكراراً وسأقرر عدم نشر وطباعة شيء مما أدوّنه». ردّ علي «تعالي سأعرفكِ إلى شخص يعشق التعساء، يظنّ أنهم موهوبون». وأجهش بالضحك. كان ضحكه كبكائه. سيّان الأمر عندي لا أفرق بين الصوتين وحتى من انفعالات الوجه، عادة أغيب في التحليل؛ هل هو يبكي أم يصطنع الضحك فيبدو الصوت أكثر حماقة منه ومني؟ منذ ذلك اليوم قررت أن أكتب. صرت أجمع كتاباتي منتظرة التعرف إلى صديق هادي المحبّ للتعساء. الوحيد الذي يعرف قيمة المستائين في هذا الكون المنتحب. عزمتُ أن أعرّفه إلى تلصّصي وما فعل بي طوال عشرين سنة مضت. فمن يعشق التعاسة لا بدّ أن يكون عارفاً بقيمة التلصّص وحشر الأنف بأمور الآخرين فهما مرتبطان معاً بوثاق محكم، بل هما مكملان لبعضهما البعض. وجدت ضالتي أخيراً، لن أنكر فضل عارف وهادي بمعرفتهما بقيمة ما أكتب، ولكن وجود شخص آخر لم يعِما مررت به طوال عمري ولم يعايش خيباتي هو أمرٌ محفز لي لأزيد من قيمة تلصّصاتي التي عشقت. أحياناً يخيّل لي أن هناك الكثير من المتلصّصات في الكون، نحن بحاجة فقط لخطة لكي نُظهر إحداهن لتتبعها الأخريات. الأمر لا يحتاج سوى لقوة دفع وتحفيز وتشجيع. الأمر تماماً كوضع مصيدة لفأر، سيأتي واحد ليلتهم الطُعم ثم يتبعه الآخرون بالغباء نفسه. إنها مسألة سذاجة فقط. أكثر الأمور العبقرية الفذّة تحتاج لمحفّز أحمق أو مُخطّط أبله أو عمل مجنون. وأكثر العباقرة بدأوا من عمل مجنون نقطة انطلاقتهم. لا يهمّ كم من المجتمعات حاربتهم وسخرت منهم وفي آخر الأمر التاريخ خلدهم. حسناً هذا أمرالعباقرة، أما المتلصّصات فجُلّ ما يحتجنه هو محفّز أحمق تعيس، شخص مثلي ربما. سأكتب إذاً لعلّني يوماً ما ألتقي بمن هنّ مثلي. سألني يوماً عارف مستغرباً «لا أعرف لماذا تعتقدين دوماً أن التلصّص يخصّ النساء. لا تتكلمين إلاّ بصيغة المؤنث»؟ اقتربت منه هامسة وبكلّ سخرية «صفة نسائية تلازم المضطهدات، ولكن إنّ وُجِد ذكر يعاني ما نعانيه باستطاعتنا دعوته للانضمام لنا». ويهزّ رأسه موافقاً ضاحكاً ناظراً لي بفخر واعتزاز.
أعاد صياغة فكرتي على طريقته ببطء وهدوء وتأنٍّ وكثير من التعجب «روايتكِ هي طُعمٌ لجذب المتلصصات أمثالكِ لعمل جمعية خاصة بكن، إذاً ما المغزى»؟ أجبته بالبطء نفسه كأنني أسخر من طريقة كلامه «لا مغزى. مجرد تجمع. وهلثمّة مغزى لكلّ ما يحدث في العالم؟ مجرد خراب يليه خراب تنتج عنه تجمعات لأشخاص أحدهم يريد السلطة والآخر يريد المال وآخرون يريدون السعادة. نحن سنقرّر المغزى حين نلتقي. لم تتبلور حالياً أي فكرة في ذهني».
ماذا أصاب هذا الكون؟ لم يعُد يحكم البشرية إلاّ النزوات والشهوات واللا مبالاة. خراب هذا الكون حتمي آتٍ لا ريب. حتى الأنظمة والقوانين ما عادت ذات أهمية. يكسرها الكثيرون ويتهربون من التقيد بها تحت ألف حجة واهية. فلتكن لي نزواتي الطائشة لأعيد كركبة الكون كما أشتهي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.