Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

الحياء والعفة ودورهما في بناء الشخصيّة

1302

يُمثِّل الحياء صفة يرغب بها الناس ويمتدحونها ويذمّون نقيضها، لما تستبطنه من ردع عن المعاصي والقبائح، ولما تؤدّي إلى الورع عن المعاصي، عرّفها بعضٌ بـ انقباض النفس عن القبيح وتركه,لذلك يُقال حييّ فهو حي واستحيا فهو مستحٍ. وهذا الحياء خاصٌّ بالإنسان وهو يختلف عن حياء الله تعالى،وقد يتساءل بعضُ الناس كيف جُعل الحياء شعبةً من الإيمان ؟والجواب هو أنّ الشخص المستحي ينقطع بوساطة الحياء عن المعاصي،وإن لم تكن له تقيّة (تقوى) داخليّة،فصار كالإيمان الّذي يقطع عن المعاصي ويحول بين المؤمن وبينها، وإنّما جُعل الحياء بعض الإيمان لأنّ الإيمان ينقسم إلى إيمان بما أمر الله به،وانتهاءاً عمّا نهى الله عنه، فإذا حصل الانتهاء عن القبائح بالحياء كان بعض الإيمان,ورغم أنّ العفّة تُشكِّل إحدى الفضائل الأخلاقيّة وتُعدّ واحدة من أمّهات الفضائل الأربع (العفّة، الشجاعة، الحكمة، والعدالة) ، ويُمثِّل الحياء فرعاً من فروع العفّة، فإنّ العلاقة بينهما وثيقة جدّاً تكاد تخفى على بعضهم لدرجة أنّه يظنّ أنّهما بمعنى واحد، لكن يظهر للمتمعِّن أنّ الحياء، وإن كان فرعاً من فروع العفّة، إلّا أنّ له دوراً كبيراً في ثبات العفّة وشدّتها لدى الإنسان، إذ كلّما اشتدّ حياء المرء زادت عفّته، فعن أمير المؤمنين(عليه السلام):»على قدر الحياء تكون العفّة»،وذلك لأنّ الحياء هو ترك القبيح،كما جاء في الروايات،ويصدّ عن الفعل القبيح،وكلّما اشتدّ وازداد حياء المرء، كلّما ابتعد عن القبائح والمعاصي، فهو كفّ وابتعاد عنها، وهذا هو معنى العفّة,ولا يعني ذلك غياباً لاستعمال إرادة الإنسان، بل للإرادة دور مهمٌّ من أجل الوصول إلى حالة تمتنع بها النفس وتتحصّن من غلبة غريزة الشهوة والوقوع في الملذّات والشهوات غير المشروعة، فقد جاء في الحديث عن الإمام عليّ (عليه السلام):»سبب العفّة الحياء»,ولهذا فإنّ الحياء من الناس، وترك القبيح استحياءاً منهم، وإن لم يكن مندرجاً تحت عنوان الفعل الأخلاقيّ إلّا أنّ الاستمرار به ومداومة القيام به يؤدّي شيئاً فشيئاً إلى الانتقال للمراتب العليا للحياء، ليصل به إلى مرتبة أعلى وهي الحياء من النفس، ثمّ بعدها الحياء من الله تعالى، وهذا هو الإيمان,أما الحياء المذموم هو الحياء المنبثق من عدم الثقة بالنفس، والخوف من مواجهة الناس على صعيد محادثة أو مقابلة، وإظهار الحقّ وما ينبغي إظهاره، وهذا ما يُسبِّب الجمود والانطواء للشخص ويضعف من شخصيّتة، ويقيّد طاقاتها ويعيق تقدُّمها وتطوّرها، فهذا من قسم الحياء المذموم وهو سلبيّ، وقد نهى الإسلام عنه لأنّه يمنع من التعلُّم والتفقُّه في الدِّين ويمنع الرزق، ويحدّ الشخصيّة، ويُعطِّل قدراتها، ويَحرم المرء من الكثير من الأمور الّتي تواجهه. وبتعبير الرواية هو حرمان، فقد ورد عن أمير المؤمنين( عليه السلام):»قُرِنَتِ اَلْهَيْبَةُ بِالْخَيْبَةِ وَ اَلْحَيَاءُ بِالْحِرْمَانِ وَ اَلْفُرْصَةُ تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحَابِ فَانْتَهِزُوا فُرَصَ اَلْخَيْرِ»,وأما الحياء الإيجابي أو الممدوح هو ذلك الّذي يجعل المرء يستحي من مخالفة الله وارتكاب نواهيه، والتجاوز لحدوده الشرعيّة، فهو حياء ينبثق عن الخوف منه تعالى،ويعني الدقة والحذر الشديدين في أيِّ أمر،فهو حياء إيمانيّ إلهيّ,وإنّ من أهمِّ ما يُفرّق بين الحياءين، هو أنّ الحياء السلبيّ لا يُمثِّل حصانة قويّة للإنسان،لأنّه حياء معرّض للزوال والذوبان، بينما الحياء الإيجابيّ هو حياء راسخ وعميق، لأنّه ينبثق من أسس إيمانيّة وخوف من مخالفة الله تعالى وعصيانه. ثمّ إنّ هذا الاختلاف بين الحياءين هو ثمرة العفّة والاحتشام، الّذي ينشأ من شجرة الحياء الإيماني وليس الحياء الطبيعيّ، إذ إنّ الحياء الناشئ من الطبع والعادة لا ينتج بالضرورة حبّ الاحتشام والعفّة. والمراد من الحياء الطبيعيّ هنا هو الّذي لا يكون له منشأ إيمانيّ.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.