Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

المعرفة طريق الإنقطاع إلى الله

1406

إنّ لمعرفة الله العقلية والقلبية مراتب عديدة، ولكلّ مرتبة شرائط خاصة. فشرائط وموانع أوّل مرتبة للمعرفة العقلية أو القلبية تختلف عن شرائط وموانع المرتبة الأعلى منها، بل هي غير قابلة للقياس بها،إنّ أول مرتبة للمعرفة العقلية تبدأ من المعرفة البديهية وتنتهي بالإحاطة بكل براهين وأدلة معرفة الله وبالإجابة عن كلّ إيرادات المنكرين. وأول مرتبة للمعرفة القلبية تبدأ من المعرفة الفطرية القلبية، وتختتم بتجاوز الحجب الظلمانية والنورانية والوصول إلى مرتبة تجلّي الذات,وإنّ المعارف العقلية نوعان: المعارف البديهية (البديهيات العقلية) والمعارف النظرية. معرفة الله عن طريق العقل هي بحسب المعنى الأول أي المعرفة العقلية البديهية لا شرط لها إلّا رفع موانعها الخاصة. والموانع الخاصة لهذه المعرفة هي التعصّب، الحزبية، البغض والحقد وكل ما من شأنه أن يبعد العقل عن فطرته وطبيعته. ولو لم تكن هذه الموانع موجودة لتوجّه العقل مع الالتفات إلى نظام الوجود إلى منظمه وخالقه دون أن يجد حاجة للبرهان في هذا المجال، ولا ضرورة لوجود شرط آخر غير عدم وجود الموانع. أما معرفة الله بالمعنى الثاني أي المعرفة العقلية النظرية فلها شرائط أخرى إضافةً إلى رفع الموانع وعلى رأسها التعلّم وطلب المعرفة بالدليل والبرهان العقلي,وأما معرفة الله عن طريق القلب فلها مراتب أيضاً، وأدنى تلك المراتب هو الإحساس الفطري بالحاجة للكمال المطلق. وهذه المعرفة القلبية كالمعرفة العقلية الفطرية لا شرط لها إلا رفع الموانع الخاصة بها. وهذه الموانع هي نفس موانع المعرفة العقلية البديهية التي لولا وجودها لأدرك العقل خالقه وربه بنفسه ولأحس القلب به أيضاً..فالإيمان بالله يحصل في النفس من خلال التصديق المنطقي والاستدلالي إلى جانب الإدراك والإحساس الفطري القلبي الذي يحصل بإرشاد الأنبياء الإلهيين، وشرط تحقّقه هو عدم وجود الموانع ولو بنحو نسبيّ.
وإذا عمل الإنسان بلوازم الإيمان التي هي تنفيذ القوانين الإلهية، وبذل تمام قدرته بإخلاص في تنفيذ هذه القوانين في حياته الفردية والاجتماعية فسيحصل على مرتبة أعلى إلى أن يصل إلى اليقين,ومع بقاء التقوى يزداد نور الإيمان تدريجياً حتى تصل مرآة القلب إلى درجة من الإشراق والنور بحيث تتجلّى فيه ذات الحق المقدّسة، ويرى الإنسان ربه وإلهه ببصر القلب ويصل إلى مرتبة اليقين.
وعلى هذا فيكون حينئذٍ للإيمان ثلاث مراتب محدودة، المرتبة الأولى هي التصديق المنطقي، الثانية مرتبة التقوى، الثالثة مرتبة اليقين.
وقد ذكرت هذه المراتب في رواية عن الإمام الرضا عليه السلام حيث يقول: «الإيمان فوق الإسلام بدرجة والتَقوى فوق الإيمان بدرجة واليقين فوق التّقوى بدرجة وما قُسِمَ في النّاس شي‏ء أقلّ من اليقين»,فحقيقة ذكر الله ليست إلاّ العمل بالقوانين الإلهية، وذكر الله باللسان هو جزء صغير من الذكر بالمفهوم العام وعلى هذا الأساس لا يكون الإيمان قابلاً للبقاء بدون الذكر، وإذا انفصل الذكر عن الإيمان انطفأ هذا المصباح، وانهدم هذا البناء لذلك يقول الإمام علي عليه السلام: «ذكر الله دعامة الإيمان» أي أنّ الذكر أمر ضروريّ لبقاء بناء الإيمان، وبدون هذا العماد لا يمكن أن يكون للإيمان وجود خارجي,وعليه فبعد تكوين جوهرة الإيمان في الروح، يبدأ الإنسان حركته نحو الكمال برأس مال الذكر والعمل بالقوانين الإلهية,وإنّ أحد آثار وثمار الحبّ هو العصمة، بمعنى أنه عندما تصل علاقة ومحبة الإنسان لله إلى أوجها لا تسمح المحبة له بأن يفعل ما هو خلاف مراد المحبوب,وتطهّر القلب من جميع الرين, فالعصمة هي الشيء الذي يمنع الإنسان من معصية الله، ويصونه من التلوّث بها، وما لم يستقرّ الإنسان في أوج قمة المحبة لله فلا يمكن أن يمتلك الصيانة من المعصية، ولذا جاء في المناجاة الشعبانية: «إلهِ لم يكن لي حوْل فأنتقل به عن معصيتك إلا في وقتٍ أيقظتني لمحبتك».
إذا حققنا في الأمور التي ذكرت في باب العبادة في برنامج الأنبياء، نرى أن هذه الأمور قد نظمت بحيث إذا أنجزت بشكل صحيح وتام، فإنّ الإنسان سيصل بعد مدة وبشكل طبيعي إلى حالة الانقطاع وقطع الارتباط بكل ما سوى الله فتموت جميع الأهواء في القلب وتتحقق في الإنسان هذه الخصوصية التي ذكرها الإمام الصادق عليه السلام في صفات المؤمن وهي «ميّتة شهوته»19. حينئذ يكون نظر العين لله لا للهوى، وسمع الأذن لله لا للهوى، واليد والرجل تتحرّكان له عزّ و جلّ0 لا للهوى، وتصير إرادة الإنسان في نهاية الأمر مسلّمة لإرادة الحق، وبتعبير أدق وأعمق تصير إرادة الإنسان إرادة الله ويصل الإنسان إلى مقام الفناء في الله، وهو معنى الحديث القدسي: «ما تقرَب إليّ عبد بشي‏ء أحبّ إليّ ممّا افترضت عليه، وإنّه ليتقرَب إليّ بالنّافلة حتّى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته». إنّ الإنسان طبقاً للروايات التي وردت عن المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، لا يصل إلى الكمال ولا ينال رؤيته القلبية واللقاء مع الله عزّ و جلّ ما لم يحصل الانقطاع. يقول سيد العارفين وإمام الموحّدين أمير المؤمنين عليه السلام: «لن تتصل بالخالق حتى تنقطع عن الخلق». ويقول عليه السلام أيضاً: «الوصلة بالله في الانقطاع عن الناس».

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.