Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

المراقب العراقي تنشر رواية «المتلصّصة» للكاتبة اللبنانية زينب فياض

1730

الحلقة الثامنة عشر

زينب محمود فياض كاتبة من لبنان. ولدت وعاشت في الكويت، ثم انتقلت إلى لبنان لتكمل تعليمها في دراسة الأدب العربي. تنقلت بين التعليم وإعداد وتقديم برامج الصغار التلفزيونية. كانت من المشاركين في تأسيس جمعية (حواس) الثقافية. أصدرت أول رواية لها (المتلصصة) والتي تنشرها (المراقب العراقي). لها كتاب حواري مع الفنان والاعلامي والاستاذ الجامعي عبد الحليم حمود اسمه (المطرقة)، ولها روايتان قيد الطبع.
كتبت زينب فياض هذه الرواية لتستفز العقل الراكد في مستنقع الخيبات. بدأ من عنوانها الذي أثار بعض الجدل والتحفظات حيث أن هذه الصفة قد تبدو للمجتمع سلبية ومحرضة للعقل ليتجه بتساؤلات مستنكرة. كيف لمتلصصة أن تجهر أمام الجميع بهذا الفعل المثير للريبة.حفل توقيع المولود الأول
كانت التحضيرات لإنجاح حفل توقيع أول كتاب لي مرهقة متلفة لأعصابي. تحوّلتُ لآلة لا تعرف إلّا السخط من أي أمر قد يعكر مزاجي. لولا وجود الثلاثي المحبّ لي: فرات وهادي وعارف بجانبي لكانت أي نوبة من الإرهاق المضني قد تؤدي لانهياري التام وسط زخم الطباعة والنشر واختيار الغلاف وكلمة المقدمة والإهداء وغيرها من التفاصيل التي لا تكون عادة بالحسبان أو أن البعض لا يعيرها اهتماماً ولا يعدّها أمراً ذا شأن. أي ثغرة قد تحدث ستكون عاملاً لعدم نجاح هذا الحفل. ظهرت علامات الأمومة في تلك اللحظات، وأقصد أمومتي لمولودي القادم روايتي (طفلي الأول)، كما سمّيتها. لا تختلف المشاعر في كلتا الحالتين. الخوف والاهتمام والفرح والمغامرة والقلق بدت جلية واضحة عليّ.
في ذلك اليوم تذكّرت والدتي ويوسف «اطمئني أيتها الحورية السابحة في ملكوت الحبّ ومعكِ حارسكِ الصغير». كم تمنّيت وجودها لأقبّلها وأهديها حلمها الذي حققته لها. خطر في بالي بادئ الأمر أن يكون الإهداء مكتوباً لفرات معلمي وحبيبي ومثلي الأعلى، ذلك الطيب اللطيف الذي أخذ بيدي وآمن بي ومهّد لي مسارب التألق لأصل لهذا اليوم الذي أحقق فيه أمنية أمّي. فرات ذكي، علم مخططي حتى قبل أن أنطق بكلمة وحاسته السادسة بدت صائبة «أعلم أن أهداءكِ في مقدمة روايتكِ ستكتبينه لي. هذا الوثوق ليس اعتداداً بنفسي ولا غروراً، ولكن ليس هناك أحد في كلّ هذا الكون يعرف رحيل غانم المتألقة المجنونة العاشقة الفيلسوفة كما أعرفها أنا. لذلك سأتمنى عليكِ أن تتقبّلي فكرتي التالية بصدر رحب». كنت في تلك اللحظة مستلقية على الكنبة آخذ استراحة محارب بين معركة وأخرى منهكة من الركض بين دار النشر وتحضير مكان حفل التوقيع وغيرها من الأمور اللوجستية التي أرهقتني. اقترب فرات مني وجلس على الأرض بمحاذاة جسدي الممدّد بتعب على الأريكة ماسكاً يدي، وهو يقوم بتدليك أصابعي المشنجة ثم انتقل باتجاه قدميّ فاعتدلت من فوري لأجلس وأمنعه، خفت على قلبي من هذا الكم الهائل من الحبّ. أخذت بيده وأجلسته بجانبي «تمنَّ ما شئت حبيبي، لك ما تريد». تبسّم وأردف قائلاً «ليكن الإهداء لروح والدتكِ ويوسف. لزنبقتين زُرعتا في روحك، أعلم أنكِ تودين إهدائي وتكريمي بهذه الرواية وأعلم مدى شغفكِ بي، لكن اعلمي أن هذا القلب ـ ويشير لقلبه ـ يعشق هذا العقل ـ ويوجّه أصبعه لرأسي ـ يكفيني أنكِ فكرتِ بهذا الأمر. هذا عين العشق، ولكن أحبّذ لو أن الإهداء لوالدتكِ. لا تعتقدي أنّي أتمنى ذلك وأطلبه لمجرد المظاهر بل أؤمن أن روح أمّكِ أحقّ مني». وأكمل مازحاً «الكتاب المقبل سأطالبكِ بإهدائه إلي». كيف يبعثرني هذا الرجل ويغيَر ما بداخلي دوماً؟ أصبح طوع بنانه. بلحظة أصير طفلاً وديعاً أمامه. من سواه كان سيعلم هذا الصراع بداخلي الذي انتابني وأرّقني. أنا بذاتي لم أعلم أن كلّ هذا التوتر الذي بدا عليّ مصدره هذا النزاع في اللا وعي لديّ.
كان حفل التوقيع أكثر نجاحاً مما توقعت. الحضور الكثيف والحشد الرائع والأجواء الجميلة التي عشتها تلك الليلة تشبه تماماً الاحتفاء بمولودي الذي انتظرته. لو أنّني وددتُ كتابة ما شعرتُ به لعجز قلمي وعقلي عن الوصف. أكثر الأصدقاء الذين توافدوا كزرافات لشراء الرواية هم من العالم الافتراضي الذي بنى لي صرحاً جميلاً من الودّ في قلوب أهله. ظللت أتسامر معهم وأحدثهم ونتبادل الأحاديث بكلّ لطف ومحبّة. لفت انتباهي سؤال صديقة لي «جلّ المقرّبين لكِ ذكور»، وأشارت بيدها نحو فرات وعارف وهادي الذين لم يفارقوني لحظة وقاموا بواجبهم تجاه الحضور بكلّ روح طيبة وشغف. لم أجد الجواب الدقيق لأخبر تلك الصديقة، ولكن هذا السؤال فتح في عقلي كوّة لأتلصّص على ذاتي للمرّة الأولى « أهو نفوري من العالم الذكوري المستبدّ الذي عشته في طفولتي أم تجنبي لعالم النساء المملّ الذي عاشته والدتي ولم تكن النسوة تقدر همومها وحزنها وطموحها آنذاك؟ أسئلة دارت في بالي لحظتها. لم يوقف هذا التشتت الذي بان عليّ إلّا اقتراب صديق منّي مبدياً إعجابه «أخيراً إلتقيت ملهمتي رحيل غانم المبدعة». صافحني بحرارة معرفاً عن نفسه «تيم الصديق الافتراضي المتابع لكِ». لم يعطني الوقت الكافي لأرحب به كما يجب. أخذ الرواية التي بين يدي الموقعة مني و رحل، كما الطيف المشظى اخترق روحي ناشراً ألواناً مبهرة وغاب بين الحشود.
المتلصّصان
اللقاء الثاني مع تيم في إحدى الندوات الثقافية كان كفيلاً بأن يوثّق علاقة جديدة غير مألوفة معه. هو المتابع لي دوماً على صفحات العالم الافتراضي، يلفت انتباهي دائماً بتعليقاته على ما أنشره. ذلك اليوم اقترب مني معرفاً بنفسه محيياً إياي بكلام لبق لطيف أنيق، كما شخصيته الجميلة اللافتة «أحفظ قصائدكِ عن ظهر حبّ. هذا الكم الهائل من الألق يشعل أصابعي لأكتب فلا أكتب». أذهلني للوهلة الأولى هذا الكلام. لم أجد نفسي إلّا وأنا أتابع بنهم احتراق أنامله. أردت أن أقول كلاماً مماثلاً عما يكتبه لأعلِمه أنّي أتابع ما ينشره «وكلّ تلك الجدران التي زرعتها قصائد»؟ لفتني جوابه بل أدهشني «مجرد نوافذ لأتلصّص على قلبكِ».ماذا يمكن أن يفعل عاشقان متلصّصان معاً؟ هذه الفكرة راودتني كثيراً. كأن يعشق رسامان معاً لوحة فيرسم كلّ منهما جزءاً ليكتمل المشهد أو كعازفَي كمان أحدهما يمسك بالوتر والآخر يحرّك له يده فيخرج النبض من قلبيهما فيخيّل لنا أنّه لحن. هذا تفكير إيجابي جداً. ماذا لو أن الأمر على العكس تماماً؟ ربما ستكون علاقة فظيعة رهيبة مقيتة، ويكون أحدهما ندّاً للآخر، كشاعر يغتاظ من شاعر لأنّه أبدع بالوصف وكثّف الأفكار وصاغ العبارات بطريقة تنافسه، أم يفهم كلاهما مكنونات الآخر فلا يستطيع التملّص أحدهما من الآخر؟ لا إنها الفكرة الأكثر غباءاً. لا بدَّ أني تطرّفت بالتفكير السلبي كثيراً. متلصّصان هما اكتمال الآخر بالآخر. أخيراً عشتُ لأرى رجلاً متلصّصاً. هذه هي المساواة عينها برأيي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.