Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

تولستوي.. وأحاديث النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) محمد عبده: كما كانت آراؤك ضياءاً يهتدي بها الضالون كان مثالك في العمل إماماً يقتدي به المسترشدون

عدنان إبراهيم الربيعي

كانت روسيا مع بداية القرن التاسع عشر تمور بالافكار التحررية القادمة من قلب اوربا ، وقد مهد لهذا العصر الغليان الفكري أحداث وتطورات، أهمها النهضة الأوربية والإصلاح الديني، وتقويض أسس الحكم الملكي ـ الإقطاعي، وما رافق ذلك من صعود البرجوازية، ومن حروب وفتن وتوسعات اقتصادية وتجارية واختراعات علمية ومذاهب فلسفية جديدة.وسط هذه الاجواء المشحونة بالصراعات الفكرية والفلسفية ولد ليف نيكولايافيتش تولستوي بـقرية تدعى (ياسنايا بوليانا) في روسيا القيصرية وهو واحد من عمالقة الروائيين الروس ومن أعمدة الأدب الروسي في القرن التاسع عشر والبعض يعدّه من أعظم الروائيين على الإطلاق . كان تولستوي روائيا ومصلحا اجتماعيا وداعية سلام ومفكرا أخلاقيا . أشهر أعماله روايتي (الحرب والسلام) و(أنا كارنينا) وهما يتربعان على قمة الأدب الواقعي، فهما يعطيان صورة واقعية للحياة الروسية في تلك الحقبة الزمنية..
عاش تولستوي في خضم الصراع الفكري والقلق وبحثه عن حقيقة الوجود الانساني .. ما ادى الى ان تتشظى شخصيته ودوره الى شطرين: ففي الاول هو كاتب عظيم فقط وربما انسان عظيم ايضا، بكل ما يقترن بذلك من تطلعات واندفاعات انسانية وحتى روسية واحزان وشكوك ومواطن ضعف، وفي الثاني – نراه يخرج من جميع شروط الوجود التأريخي والثقافة . ويقول البعض انه مبشر مسيحي تقي ، بينما يؤكد آخرون انه ملحد ، ويتهمه فريق ثالث بأنه متعصب ، ويراه فريق رابع كحكيم بلغ ذرى الاخلاق مثل سقراط وبوذا وكونفوشيوس ، وأسس دينا جديدا. لكن تولستوي نفسه كتب في عام 1879 في كتاب لم ينشر حمل عنوان ( اعترافات) يقول : في بعض المرات كنت أراجع مباحث كانط وشوبنهور في أن البرهان على وجود الله مستحيل، وأقبلها بإقتناع، ثم لا ألبث أن أثور عليها في أوقات أخرى، وأفندها وأُظهِر خطأها وضلالها.!
تولستوي و حكم النبي محمد (ص)
من يقرأ سيرة الشيخ محمد عبده (1849 – 1905)،لربما سيجد ضالته عن انبهار تولستوي بفكر وشخصية النبي الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم . فقد استطاع عبده بفطنته واتساع أفقه المعرفي واتصاله المتين بثقافة عصره إدراك المفاصل الأساسية في فلسفة تولستوي. فقد وصله خبر سعي تولستوي لتأليف كتاب عن الدين الإسلامي -ومن عادة تولستوي التمهل في إصدار كتبه- حيث تأخر إصدار الكتاب خمس سنوات بعد وفاة الشيخ محمد عبده. عنوان الكتاب (حكم محمد) .. حيث انتخب تولستوي واحداً وتسعين حديثاً نبوياً مترجمة إلى اللغة الروسية تتكامل مع رؤيته وفكره الفلسفي. وشفعها بمقدمة متقنة عن حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وسلم. وصدر هذا الكتاب عن سلسلة المفكرين الرائعين من جميع الأزمنة والشعوب، ( ينظر : نشرة بوسريدنيك، عدد 762، موسكو، مطبعة فيلده، عــام 1910م) .
وقد كتب الشيخ محمد عبده رسالة إلى تولستوي يشكره فيها على مبادرته الطيبة تجاه الإسلام والمسلمين جاء فيها:
«أيها الحكيم الجليل مسيو تولستوي, لم نحظ بمعرفة شخصك ولكننا لم نحرم التعارف مع روحك, سطع علينا نور من أفكارك, وأشرقت في آفاقنا شموس من آرائك, ألفت بين نفوس العقلاء ونفسك. هداك الله إلى معرفة سر الفطرة التي فطر الناس عليها و وقفك على العناية التي هدى البشر إليها, فأدركت أن الإنسان جاء إلى هذا الوجود لينبت ويثمر بالعمل ولأن تكون ثمرته تعباً ترتاح به نفسك وسعياً يرقى ويبقى به جنسه… وكما كانت آراؤك ضياءاً يهتدي بها الضالون كان مثالك في العمل إماماً يقتدي به المسترشدون, وكما كان وجودك توبيخاً من الله للأغنياء كان مداداً من عنايته للضعفاء الفقراء.
(ولمن يريد ان يطلع على هذه الرسالة فهي موجودة في متحف تولستوي وبجانبها ترجمة إنكليزية لنص الرسالة العربية مؤرخة في الثاني من شهر نيسان عام 1904 ميلادية. بخط المستشرقة الإنكليزية آن بلنت (1837 – 1917) .
وقد رد ليف تولستوي برسالة لطيفة مكتوبة باللغة الفرنسية موجودة بجانب رسالة الشيخ محمد عبده في متحف تولستوي يقول فيها: «صديقي العزيز.. تلقيت خطابكم الكريم, وهأنا أسارع في الرد مؤكداً امتناني من هذا الخطاب الذي أتاح لي الاتصال برجل مستنير برغم اختلاف عقيدته عن العقيدة التي نشأت وتربيت عليها. وأظن أن العقائد تختلف لكن الدين واحد. آمل أن لا أكون قد أخطأت إذا افترضت من واقع خطابكم أن الدين الذي أدين به هو دينكم, والذي يرتكز على الاعتراف بالله وشريعته في حب الغير, وأن نتمنى للغير ما نتمناه لأنفسنا. وأعتقد أنه كلما كثرت العقائد في الأديان وامتلأت بالأوهام والخرافات ساعد ذلك على تفرقة البشر وخلق العداوات بينهم. وكلما كانت الأديان بسيطة, اقتربت من هدفها وهو وحدة الناس جميعاً, وهذا ما جعلني أقدر خطابكم وأود استمرار الصلة بيننا. وتقبل مني يا عزيزي المفتي محمد عبده كل التقدير والاحترام. ليف تولستوي الثاني عشر من شهر أيار 1904م».
(حكم محمد ) انتخبها ليف تولستوي من كتاب ترجمه من الإنكليزية إلى الروسية س.د.نيكولايف. في بداية الكتاب تمت الإشارة إلى مصدر الأحاديث المختارة، وهو كتاب بالإنكليزية لأحاديث محمد (صلى الله عليه و آله وسلم) جمعها عبدالله السهروردي في الهند، مستهلاً الكتاب بالآية القرآنية التالية: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون). (التوبة:32)، وقد انتخب ليف تولستوي الأحاديث الواردة في هذا الكتاب والمترجمة إلى اللغة الروسية بعدّها تشتمل على حقائق عامة تتسم بها كل التعاليم الدينية. يقول ليف تولستوي في فاتحة الكتاب:
«ولد النبي محمد في بلاد العرب سنة 570 بعد ميلاد السيد المسيح من أبوين فقيرين وكان في حداثته راعياً. ومال منذ صباه إلى الانفراد في البراري والأمكنة الخالية حيث كان يتأمل في خلق الله. كان قومه من العرب يعبدون أرباباً كثيرة وبالغوا في التقرب إليها واسترضائها. فأقاموا لها أنواع التعبد وقدموا لها الأضاحي. ومع تقدم محمد في السن كان اعتقاده يزداد بفساد تلك الأرباب وأن ديانة قومه ديانة كاذبة وأن هناك إلهاً واحداً حقيقياً لجميع الشعوب. وقد ازداد هذا الاعتقاد في نفس محمد حتى جاءه الوحي بدعوة الناس إلى الدين الحق. ».
ترجم كتاب ليف تولستوي إلى العربية أول مرة في مصر تحت عنوان (حكم النبي محمد) وطبع في مطبعة التقدم بشارع محمد علي في القاهرة، وتاريخ طباعة الكتاب سنة 1912 ميلادية. قام سليم قبعين بترجمة هذه الأحاديث بعد أن اختصر عددها إلى النصف تقريباً.
وتقول الدكتورة مكارم الغمري في استعراضها لتأثير الشرق العربي في فكر تولستوي وإنتاجه: يتصدر كتابات تولستوي عن الإسلام كتيب بعنوان: (أحاديث مأثورة للنبي محمد ) ولم يكتف تولستوي بالتقديم للكتاب، بل وكما أشير في المؤلفات الكاملة قام بعمل تصحيحات فيه بتاريخ 13 شباط 1909م، غير أن هذه التصحيحات لم يحتفظ بها.
وفي تموز من العام نفسه قام تولستوي بإدخال الكثير من التعديلات. وأعاد صياغة بعض الأحاديث، وقد أبقى على ستة عشر حديثاً منها بختم مطبعة كوشيريفا بتاريخ 11 تموز 1909م، وظهر الكتاب باللغة الروسية تحت عنوان: (أحاديث مأثورة للنبي محمد ) .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.