هل نجحت أمريكا في حربها الناعمة على العراق ؟

الجزء الأول
محمود الهاشمي
خسرت الولايات المتحدة في حربها على فيتنام والتي دامت ثمانية سنوات 46,572 قتيلا وأكثر من 153,329 جريحا وأضعافهم من المفقودين وخسائر مادية تقدر بـ 108 بلايين دولار , وبرغم كل هذه الخسائر الاّ ان التوازن الدولي لم يسمح لها باستخدام اسلحتها النووية الهائلة , وانسحبت جيوشها مهزومة من ارض فيتنام , فيما استوى عود فيتنام لتشكل تجربتها بعد ذلك عنوانا للصمود وعنوانا للتطور الحضاري السريع .
هذه الخسائر وسواها جعلت مراكز الدراسات الاميركية تفكر بإيجاد بدائل عن الحرب (الصلبة) المدمرة لما في ذلك من تكلفة عالية في الاموال والارواح , فانتجوا فكرة (الحرب الناعمة) والتي مفادها القدرة في الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلاً من الإرغام، وهي القدرة على التأثير في سلوك الآخرين للحصول على النتائج والأهداف المتوخاة بدون الاضطرار إلى الاستعمال المفرط للعوامل والوسائل العسكرية والصلبة.
بعد دخول القوات الغازية (قوات التحالف) الى العراق وبرغم كل مخططاته وقوته العسكرية , الا ان العراقيين لم يجدوا في القوات الاميركية ومن رافقها سوى (قوات غازية) فتشكلت فصائل المقاومة وبدأ الصراع والمعارك على اشدها ليجد الاميركان انفسهم عام 2011م قد خسروا النخب من مقاتليهم وانهم دخلوا في اتون حرب صعبة ومعقدة وقد بلغ عدد قتلاهم (حسب بياناتهم) خمسة الاف قتيل وثمانية الاف جريح ومعاق , ونعتقد انهم خسروا ضعف ذلك . بعدها اضطروا ان يعقدوا الاتفاقية الامنية والاستراتيجية وان يغادروا العراق مهزومين فارين , ويصبح يوم جلائهم عيدا وطنيا . شعرت الولايات المتحدة بفشلها وفشل مشروعها الاستعماري في العراق , بعد خروج قواتها وهي التي خططت لنهب احتياطه النفطي الذي يعتبر الاول عالميا , فاستمرت في التركيز على (الحرب الناعمة ) حيث عمدت الى -:
• انتاج عملية سياسية فاشلة في البلد ضمن المبادئ الطائفية والعرقية.
• تسويق شخصيات سياسية (مأزومة) لإدارة العراق استطاعوا من خلالهم فقدان الانسان العراقي ثقته باية شخصية عراقية , فقد استشرى الفساد الاداري والمالي , فأماتوا التنمية في البلد , وعطلوا المشاريع وزرعوا اليأس في أي حالة تغيير .
• زرع روح الاحباط والانكسار في نفوس العراقيين من خلال التركيز على الوجه المظلم من الحياة , وذلك عبر ساعات طويلة من البث , حتى بات المواطن العراقي يعتقد أن كل مفردات وطنه فاقدة لمعانيها وطاقتها , فلم يعد يرى في نهر دجلة سوى حفرة تبعث على القرف , وفي مدنه سوى خرائب تسكنها البوم والغربان , ولذا فضل كثيرون الهروب من البلد بعد أن شعروا بالاختناق والرعب والمصير المجهول وفضلوا الموت غرقا في البحار من ان يعيشوا في بلدهم.
• استطاعوا توظيف التاريخ واستخراج نقاط الخلاف الدينية والطائفية والعرقية , وعرضها بشكل فجّ ومثير , واشتروا ذمم رجال دين وكتاب محترفين لهذه المهمة , فخلقت أجواء من التفكك والانقسام , والتشكيك (بأننا كنا أمة لها تاريخ حافل بالمنجزات) , بعد ان عملوا على تسفيه الاشياء وفقدها قيمتها سواء كانت منجزا ماديا أو انسانيا , حتى لا يستطيع الانسان أن يستخدم تاريخه ومنجزه الحضاري لصناعة موقف وطني ومواجهة التحديات .
• عملوا على فت اللحمة الاجتماعية , عبر التركيز على الطائفية , كحاكم لكل القيم والعلاقات , حتى طلّق عديدون امهات ابنائهم تحت هذا التأثير , وبذا تفككت البنية الاجتماعية , وفقدت الامة واحدة من أهم مرتكزاتها .
• قسموا مناطق العراق ومدنه الى كونتات (طائفية) و(عرقية) فبدأت عملية نزوح هائلة في اعوام الحرب الاهلية كلٌّ ينزح الى حيث أحياء طائفته وإلاّ سيطوله القتل وباتت المدن واضحة المعالم الطائفية والعرقية , وغادر الناس مراتع صباهم وطفولتهم وشبابهم وذكرياتهم , وبات الداخل الى مدينته القديمة غريبا تماما , واذا كان بين الاجيال (القديمة) نوع من العلاقة الهامشية (الان) فان الاجيال الجديدة كبرت على الثقافة الطائفية والعرقية وتشبعوا بها , ومن المعجزة ان يمحقها عن اذهانهم الاباء.
• صنّعوا لنا أحزابا سياسية (طائفية) فبات الاختيار للمرشح لاي مهمة سياسية أو مهنية يجري انتخابه وفقا لمبدأ الطائفي , فأفقدوا العملية السياسية جوهرها وقوتها , وركزوا هذه التوجهات في يوميات الحياة السياسية , فخنقوا العمل السياسي بمحددات معقدة , جعلت الانسان العراقي لا يرى في طبقة السياسيين سوى خصوما للوطن .
• وقفوا أمام أي مشروع اقتصادي أو وطني , ودمروا البنى التحتية للمصانع والمؤسسات , حتى يبقى المواطن العراقي , يعيش على البضاعة الاجنية , ودون صناعة وطنية , ويشكك في قدرته على أن يصنع ويبدع , وهذا الامر وقع على الزراعة في البلد , حيث برغم ان العراق يمتلك نهرين عظيمين وارض واسعة صالحة للزراعة الا انه يستورد الخضر والفواكه من الخارج , حتى يفقد الانسان ثقته بارضه وعطائها .
• حاولوا بكل امكانياتهم أن يعوقوا أي مشروع اسكان في العراق مثل (قانون البنى التحتية) ودفعوا بالناس للسكن في (العشوائيات) حتى لا يشعروا الانسان بانتمائه الى ارضه ووطنه .
• دفعوا بشخصيات فاسدة عبر سفارتهم لإدارة الخدمات , فسرقوا الاموال وعطلوا الخدمات ليبدو شكل الشوارع والمدن مشوها وبعيدا عن الحضارة , وينعكس على الوضع النفسي للانسان , ليطابق ما في داخله من احباط وانكسار ..
• اضاعوا فاعلية وهيبة التعليم والتدريس , عبر قضيتين الاولى شيوع المدارس والجامعات الاهلية , التي تخرّج لنا (أميين) وثانيا عدم وجود فرص عمل للمتخرجين , مما جعل معظم المهن البسيطة يقوم بها خريجون ويعملون بأماكن بعيدة عن تخصصهم , وهذا الامر خلق روحا من التذمر والقلق لدى الاسرة العراقية ولدى الانسان العراقي ايضا.
• أفسدوا التجربة الاصلاحية في البلد حيث كلما خرجت تظاهرة للشعب تطالب بالتغيير , تآمروا عليها اما عبر عملائهم الذين يزاحمون المتظاهرين , ويخنقون التظاهرة ويتصدون للاعلام , ويرفعون شعاراتهم الخاصة , أو بالتهديد المباشر والطعن بالاخر والنيل منه . وحين يعجزون احيانا عمدوا الى اغراء العراقيين الى ترك بلدهم والهجرة الى (الغرب) حتى ان المستشارة الالمانية ميركل قالت:- نريد للعراقيين ان يشاركوا في بناء المانيا وحين هرعت اعداد من الشباب والأسر , تعاملوا معهم بقسوة وأهانوهم وعرضوهم أمام الاعلام بصور سيئة جدا .
• كان لحل الجيش العراقي والمؤسسات الامنية الاخرى بعد سقوط النظام البائد الاثر السيئ على حياة العراقيين , حيث ادى ذلك الى الشعور بالخوف والقلق لدى المواطن لعدم وجود مؤسسة أمنية تدافع عنه وتحمي حقوقه , كما اراد الاميركان من ذلك ان لا يجد المواطن العراقي من ملاذ سوى القوات الاميركية لتدافع عنه وهذه ما تسمى في الحرب الناعمة (الجاذبية).

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.