Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

النهج التربوي في فكر الإمام الخميني «قدس سره»

عبر مراجعة نصوص أو تجربته في فكر الإمام قدس سره بطريقة تتناول الموضوع، وكأن البحث يتعلق بعالم من المثاليات التي نرغبها وتستهوينا فننزع إليها بشعور من الرضا عن ذاك النزوع، وبذرائعية نلجأ إليها لنبرر انكفاءنا عن السير على الخطى التفصيلية لأفكار وإرشادات الإمام الخميني قدس سره.

وبالتالي، فعدم مقاربة المنهج التربوي عند الإمام الخميني قدس سره من خلال كونه أطروحة تنفذ تفصيل الواقع بكل مجرياته المحاطة بظروف الزمان والمكان والضرورات وإلى ما هنالك.. هو بواقع الأمر اقصاء لذلك المنهج، أو إن شئت فقل النهج.. وكلما تباعد الزمن بيننا وبين المدة الزمنية لقيادة الإمام الخميني قدس سره المباشرة، فإن خشيتنا ستزداد من أن ندمن الإمام الراحل كمثال تتفتق عنده الإريحيات السائحة في عوالم تبتعد عن الواقع..

نقول هذا وكلنا يقين أن الحائل عن الوقوع بمثل هذه المباعدة كان ولا يزال ثلة صدقوا ما عاهدوا الله عليه.. وعلى رأسهم قائد الأمة وإمامها الخامنئي (حفظه المولى).

هذا ومن قلب هذا الافتراض.. نود الإشارة إلى أن أي منهج تربوي، إنما يُبنى على جملة من القيم التي تنقسم إلى مكونات النمو والتطور في الشخصية، وهذه المجالات هي:

• المكوِّن المعرفي: الذي يمثل حركة العقل فيما يختار من أفكار وتصورات وقناعات ومفاهيم ورؤى.

• المكوِّن السلوكي: ويتعلق بتطوير الخبرات والأداء والالتزامات العملية لحركته وتواصله مع الحياة وأبناء الحياة.

• المكوِّن المعنوي: وهو ما يرتبط بالمثل الذي يختاره الإنسان، وهذا المثال إن كان سامياً، فإنه يعطي المكوِّن المعرفي قيماً سامية، وإن كان متدنياً، فإنه بلا شك سينحط في قيمة معارفنا.. بل إنه وبحسب هذا المثال المحدد من المكوِّن المعنوي، ستختلف صيغ ومضامين برامجنا وحركتنا السلوكية إن لجهة تشخيص المشكلات، أو لجهة كيفية المعالجة التي نلتزمها في حلولنا ومقترحاتنا..ثم، وبتأثير من هذه المكوِّنات القيمية الثلاثة، سواءاً أكانت متحققة بأبعادها الثلاثة، أم ببعدين منها.. فإن الاتجاه الذي تتشكل الشخصية وفقه، ستتكون أنماط فعل أو فاعلية العملية التربوية بين التوازن أو اللا توازن، وبين الاستقامة أو اللا استقامة.. وبين الاستقرار أو القلق..ثم من المفيد الإشارة إلى أن القيم تمثّل في العملية التربوية غايات نقصدها، بينما تمثّل الاتجاهات الطرق والوسائل التي نعتمدها للوصول إلى تحقيق تلك الغايات.

وعلى ضوء ذلك، فإن الخطوات المنهجية لحركة الاتجاه، تبدأ من الاختيار، ثم التفضيل، فالمشاركة، فالدعوة العملية والتضحية في سبيل ما اخترناه..ومضمون كل واحد من هذه الخطوات قابلٌ للمراقبة والتطوير والتعديل، مع مراعاة أن المؤثّرات في تلك المضامين تأتينا من الأسرة، والمدرسة، والأقران، والمؤسسات، والوسائل الإعلامية، والانطباعات التي يمليها علينا المحيط أو الدولة، أو القيادة، أو غير ذلك..ولا بدَّ لنا من  نشير إلى جملة افتراضات:أولاً: لقد مارس الإمام الخميني قدس سره دوره كمرشد ديني في توجيهاته التربوية.. وحينما نقول «الديني» هنا؛ فإنما نقصد الإسلام كهادٍ للحياة الدنيا بأفقها المفتوح على الآخرة.. وكموجِّه للجماعة كخط موصول بالأمة..وثانياً: التفريق بين التوجيهات التي تحمل طابع رسم وتأكيد القيم العليا، والاتجاهات المطلوبة، وبين الخطوات التفصيلية لتحقيق تلك القيم والاتجاهات. ذلك أن تلك الأخيرة تقع على عاتق المعنيين المباشرين والمتخصصين العلميين، وليست وظيفة المرشد والموجه.. مع التأكيد على أن التفاصيل هي أمور يجري تحديدها وفاقاً للقيم العليا.. وهي تخضع للمراقبة والنقد على ضوء معايير تلك القيم.وثالثاً: لقد حملت توجيهات الإمام (قدس سره) أبعاداً ناظرة للواقع من أفق المعنويات القرآنية والعرفانية، وتجربة التأسي بآل العصمة(عليهم السلام)،والغائيات المستخرجة من روح الشريعة.

فلننتقل إلى كلام الإمام الخميني قدس سره في أبعاد القيم ومجالات الاتجاهات التربوية.ويبرز أمامنا في الموقف الأولي للإمام قدس سره من النتاج الدولي المعاصر.. إذ يقول: «إن مظاهر التمدن في المناطق الأخرى والدول المتقدمة، والتي تتم الاستفادة منها بشكل صحيح، عندما جاءت إلى بلادنا أو البلدان المشابهة لبلادنا، فإنه تتم الاستفادة منها بشكل صحيح، بل استفادة فاسدة».يقول الإمام قدس سره في تشخيص الأمر في البلاد الإسلامية:»جميع البرامج التي وضعوها سواء الثقافية أم الفنية وغير ذلك كانت استعمارية، وأرادوا جعل شبابنا كوسائل بأيديهم لتحقيق منافعهم الخاصة، وليس من أجل منفعة البلاد».فالمشكلة ليست في أصل الثقافة والفن، بل في مضامين البرامج والتوظيفات الموضوعة لهما. والتي شكلت اتجاهاً في بناء الشخصيات، يقوم على أساس التبعية والالتحاق بالأجنبي والعمل على غير منفعة المجتمع والبلاد الإسلامية.

لقد تم حقن الواقع ببرامج وقيم تدميرية للقوى الإنسانية والفكرية، ولإرادات النمو والتكامل، وذلك عبر الخوف وعدم الثقة بالذات، عبر قيم ثقافية استعمارية إذ «الثقافة هي أساس الشعب، وأساس قومية الشعب، وأساس استقلال الشعب. لهذا حاولوا أن يجعلوا من ثقافتنا استعمارية، حاولوا ألا يوجد الإنسان. وخططوا للتعليم بشكل لا يحدث أي نمو علمي وإنساني. لقد خوّفونا من خلال دعاياتهم، فأصبحنا نخاف من أنفسنا، ولا نعتمد على أنفسنا».فالمعركة المصيرية تمحورت حسب الإمام بأصلين:القيم الإنسانية، والبرامج التعليمية.أما بخصوص القيم الإنسانية، فإنها هدف النهج والشرعة الدينية «إن ما نادى به الأنبياء(عليهم السلام) هو الإنسان ولا شيء غيره.

وهنا يضع الإمام الغايات والمثل الأعلى لتوضيح الفارق بين إنسان الدين والأنبياء(عليهم السلام) وإنسان المادة والدنيا.فغاية الأنموذج النبوي:»يعمل الإنسان فيها لله، ويحيا لله، ويموت لله أيضاً».»فإنسان الأنبياء لا تحكمه الأشياء بل هو الذي يحاكمها على أساس من نظام الشريعة والأخلاق الدينية. ولو وجد إنسان واحد، فقد يهدي شعباً بأكمله»..وعليه فلا يصح اعتماد برامج توجه السلوك نحو اختيار حلول للمشكلات قائمة على أساس أن الترفه والتملك والمكانة السياسية والتنظيمية والإدارية هي الأصل.. إذ فارق بين كونها أصل الحل للمشكلات، وبين عدّها مقتضيات تعوز الحل العملي.

ولقد تنبه الإمام قدس سره إلى أن البعض قد يضعف أمام مثل هذه التوجيهات. فدفع بطرح قيمة معرفية عليا لرفع ذاك الضعف، وهذه القيمة هي اليقين، لأن «يقين الإنسان هو أساس جميع الأمور»،عند الإمام الخميني قدس سره.واليقين بإنسانية الإنسان يحتاج في جانب النهج التربوي إلى مكوِّنات أدائية و مهاراتية،وهي التي أطلق الإسلام عليها اسم الجهاد..و»الجهاد من أجل البناء (بناء الإنسان لنفسه) مقدَّم على جميع أنواع الجهاد. وهذا الجهاد هو الذي عبَّر عنه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بالجهاد الأكبر». فينبغي أن نرسي قاعدة تربوية لقيمة في الأداء اسمها الجهاد..فدور المعلم جهاد، ودور الأب والأم جهاد، ودور السياسي جهاد، ودور التقني جهاد، ودور العالم والمفكَّر والفنان جهاد. هذا ومن باب أولى أن عمل المقاوم والمحارب المسلم والإداري هو جهاد.

شرط أن يقوم ويستهدف بناء الإنسان والأمة والحياة، على أساس برامج وخطط موصولة، أو نابعة من معايير القيم الإسلامية العليا.

بل يمكننا الذهاب مع الإمام الخميني قدس سره إلى ما هو أبلغ من ذلك، إنه وصل لاعتبار كل عمل عبادي وسيلة جهادية لبناء هدف إلهي، المستهدف منه هو الإنسان.

وبالتالي فإن تركيز البرامج التربوية والخطط العملية على نحو من القيم التعليمية الصرفة أو المهاراتية الصرفة ستصرفنا عن الهدف.

وإن الركون لمتطلبات الحياة بإيجاد ترشيد في البرامج قائم على أساس الأرقام والحلول المباشرة، سيوقع المستهدف بالعملية التربوية بانفصام بين ما نعظه به،من واقع القيمومة الدينية،ومواقع المقتضيات الحياتية. وكأن الله خارج إطار الحياة (والعياذ بالله). بل إن هذا الشعور سيولد فصاماً عن القيم الإلهية وبالتالي إحباطاً  أمام المشكلات المتولدة من بيئتنا وهذا يمكن أن يقع على الناشئة أو الجيل الذي نعمل عليه (والعياذ بالله).

وعليه فكل عمل أو مؤسسة تبنى إذا فقدت بعدها التربوي،فإنها ستفقد مضمونها وسبب قيامها.»فالإسلام يؤكد التخصص والعلم،ولكن بشرط أن يكون ذلك التخصص والعلم في خدمة الشعب وفي خدمة مصالح المسلمين».

فإلى كل الذين يرسمون البرامج والخطط، ويضعون المناهج والتصورات، ويراعون الدقة في ضبطها وتبويبها،وهو أمرٌ محمود يشكرون عليه، عليهم أن ينظروا إلى أفق تلك البرامج والخطط والمناهج المعنوية والقيمية، وإلى دورها ومراسيلها التي تشكل اتجاهات في شخصية المتلقين، ولو بنفس المستوى من العناية في ضبط الشكليات والجدوى المباشرة،وعليهم دائماً ألا يهملوا جانب الدين الإسلامي لأن المجتمع لا يقوم إلا به وبمن يمثله في الأرض.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.