الوحدة الإسلامية..طريق لإعادة أمجاد الأمة وتحقيق أمانيها

من الأمور التي كثر الحديث عنها في أيّامنا، مسألة الوحدة الإسلامية، والتي تغصّ المنابر الإعلامية والثقافية بالدعوة لها ومحاولة تثبيتها في فكر الناس، وتجسيدها عملاً بين المسلمين..ولهذا فإنّ الوحدة الإسلامية يمكن أن تكون حلاً لمشاكل المسلمين في جميع العصور..وفي الوقت الذي كانت فيه الأمة الإسلامية في حالة من الاحتضار على كلّ مستوياتها، قامت ثورة مباركة، قام بها شعب أعزل بقيادة العالم الزاهد الشجاع القائد السيد روح الله الموسويّ الخمينيّ قدس سره في إيران، والتي كانت مرتعاً للمخابرات الأجنبية ولا سيّما الأمريكية والصهيونية، وأرضاً مسلوبة الخيرات مسخّرة لتنفيذ المآرب الكبرى لقوى الاستكبار العالميّ وأذنابه من الحكام الذين باعوا ضمائرهم وشعوبهم ليصبحوا مجرّد أداة بيد أسيادهم الإمبرياليين الطامعين بالسيطرة على مقدّرات العالم.
فقيام هذه الثورة المباركة أحبط الكثير من المؤامرات، وأهمّها التي كانت تحاك لتوسعة الشقاق في الأمة الواحدة، فلطالما كانت التفرقة بين مذاهب الأمّة من الأساليب الدنيئة التي ينتهجها العدوّ الطامع في السيطرة على الأمم الأخرى. فقاعدة فرّق تسد تاريخياً لم يخلُ عهد ولا زمان من رموز انتهجتها كأسلوب تتوصّل به إلى الهيمنة في بعض الأحيان، ولاستتباب الهيمنة في موارد أخرى، فإنّ السيطرة على أمة ممزّقة، ومتكالبة على أطرافها غافلة عما يحاك لها أمرٌ في غاية السهولة، ولا تكلف العدوّ إلا عناء جني الثمار بعد أن أنضجتها الخلافات والنزاعات.ولوعي الإمام الخمينيّ قدس سره في تلك الفترة لخطورة الأمر على الأمة، فقد ركّز في الكثير من توجيهاته وخطاباته على مسألة الوحدة الإسلامية، ولم يألُ جهداً في تذكير الأمة دائماً بخطر الاختلاف والتشرذم وهذا ما سنحاول الإضاءة على أبعاده حيث يصحّ القول بحقّ إنّ أفضل من دعا إلى الوحدة وكرسها عملا ً في حياته وأورثها للأجيال هو الإمام الخمينيّ. وهذا ورد في الكتاب الكريم، و ورد على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام في ما يخصّ الوحدة الإسلامية، وهي تدلّ تلقائياً على مدى أهمية هذه المفردة الإسلامية العامة التي لها التأثير الكبير في تشكيل كيان الأمة ومنعتها.
إنّ القرآن الكريم أورد المبادئ الأساسية التي ينبغي للأمة الإسلامية الالتزام بها حتى تصل إلى الهدف النهائيّ لها ألا وهو علوّ كلمتها بين الأمم. ولذلك نجد بعض الآيات القرآنية التي تدعو وتأمر باتّحاد الكلمة واتحاد موقف المسلمين، لتصبح أشد قوة وأصلب منعةً، حيث يقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.إنّ الآية الشريفة تتحدّث بوضوح عن التوحّد ونبذ الاختلاف بين المسلمين، حيث تدعوهم للاعتصام؛ أي التمسّك جميعاً بحبل الله. والاعتصام يكون طلباً للعصمة، وهي الحفاظ والغطاء، وهذا يعني أنّ في ترك هذا الاعتصام الهلاك الحتميّ، وهذا ما يكون من خلال التفرّق والاختلاف على الأمور الصغيرة.كما أنّ الله سبحانه وتعالى يمتنّ علينا بنعمة الإسلام، هذا الدين الذي يجمعنا جميعاً على كل اختلافاتنا في دائرة واحدة، بعد أن كانت تفرّقنا القوميات والعشائر والمناطق والشعب. فحين هدى الله تعالى الناس برسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، أخرجهم من ظلام هذه القواقع الفارغة إلى رحابة الإسلام دين الإنسانية والرحمة والسلام، وهذا من أكبرِ نعم الله تعالى علينا. ومن هنا فإنّ الإمام الخمينيّ قدس سره لطالما أكّد أهمّية وعي الأساس الدينيّ والقرآنيّ للوحدة. وممّا قاله في هذا الإطار: «القرآن وضع عقد الأخوّة بين جميع المسلمين. وإنّني آمل أن يكون جميع إخواننا في أطراف إيران سواء الأخوة أهل السنة أم إخواننا أهل التشيّع، وجميع أبناء هذا الشعب من الأقليات الدينية متّحدين فيما بينهم، ويتعاملون كالأخوة، حتّى تتقدّم البلاد، وتطبق فيها أحكام الإسلام، ويتحقّق رفاه جميع المسلمين وجميع الذين يسكنون في هذا البلد الإسلاميّ. وأنا آمل أن لا تتصوّر الشعوب الإسلامية أنّنا في زاوية وأنّهم في زاوية أخرى، فالقرآن عدّكم إخوة جميعاً، و وضع عقد الأخوّة بينكم، فالمؤمن والمسلم الذي يوجد في آخر نقطة من العالم وذلك المؤمن والمسلم الذي يوجد في أول نقطة من العالم وبينهما ما بين المشرق والمغرب هما أخوان ولا يفصلهما شيء عن بعضهما بعضاً. ويجب أن يكونا أخَوَين كما يحكم الإسلام بذلك ولا يتفرّقا، وأن يعدّا مصالحهما هي مصالح الإسلام ومصالح جميع الشعوب، وأن يعتدّ كل شعب أنّ مصلحة الشعب الآخر هي مصلحته أيضاً، وأن يكون المؤمنون أينما كانوا أخوة فيما بينهم ويتعاملوا بأخوّة، وأن يعدّوا اعتداء أي ظالم على دولة إسلامية اعتداءاً عليهم. وإنّني آمل، ومن خلال النظر لهذا الحكم الإسلاميّ الذي يعدّ جميع الناس، جميع المسلمين، أخوة فيما بينهم، أن تسيطر هذه الدول على مصالحها، وأن تنتصر جميع الدول الإسلامية على القوى العظمى، ويوفّقوا لتطبيق الأحكام الإسلامية حتى النهاية».
تضافرت الروايات الشريفة التي تحذِّر من الخلاف والفرقة من خلال التأكيد على منع الأساليب التي تؤدّي إليها..منها التكفير من أخطر الأمور التي يمكن تصوّرها في هذا المجال، فهو الحائط والسد الكبير الذي يطيح بالحوار الهادف للوصول إلى الحق، ويحلّ مكانه إخراج من الدين وقطع للتواصل..والتقاتل فيما بين المسلمين هو الذروة التي ينتظرها كل شامت أو مقتنص للنيل من الأمة والدين، ويخلص الإمام قدس سره في نهاية المطاف إلى تشخيص مكامن الخطر على الأمة في مشكلتين أساستين..يقول قدس سره: «إنّنا نعلم، وكذلك المسلمون، بل المهم أنّ الحكومات الإسلامية تعلم أيضاً، أنّ ما لحق ويلحق بنا ناتج عن مشكلتين:الأولى..هي المشكلة بين الدول ذاتها، حيث لم تتمكّن حتى الآن ومع الأسف من حلها، وهي مشكلة الاختلاف فيما بينهم. ويعلمون أنّ سبب جميع مصائب المسلمين هو هذه الاختلافات، ونحن تحدّثنا عن هذا الموضوع منذ ما يقرب من عشرين سنة، وقلنا وكتبنا ودعونا قادة هذه الدول للاتحاد، ولكن مع الأسف لم يحصل شيء حتى الآن…والمشكلة الثانية..هي مشكلة الحكومات مع شعوبها، فنرى أنّ الحكومات تعاملت معها بحيث إنّ الشعوب لم تعد سنداً للحكومات، وبسبب عدم التفاهم بين الطرفين فإنّ الشعوب لا تساهم في حلِّ المشاكل التي تواجه الحكومات، والتي يجب رفعها بيد الشعوب، فتقف الشعوب موقف اللامبالاة، هذا إنْ لم تزد في مشاكل الدول»..ولو تم تجاوز هاتين المشكلتين، وكانت كلمة الشعوب والحكّام سواء في مواجهة المؤامرات التي تحاك للأمة لأفضى الأمر إلى عزة الأمة وانتصارها…وفي نهاية المطاف وبعد معرفتنا لمخاطر التفرّق والتشتّت فلا بدّ من أن ننطلق لنسلط الضوء على مكامن القوة في الأمة لكي نسعى للتمسّك بها صوناً لها من الوصول إلى الوقت الذي لا يمكن التدارك فيه حيث لا يبقى لنا من قوتنا أي شيء لندافع به عن أنفسنا.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.