الجدار

محسن عامر

في المساء, كانت أمهاتنا تطلب منا أن ننتظر المعزات القادمات من عند «السارح» البدوي الذي ياخذ ماعز الحي إلى الصحراء من أجل الرعي و التزاوج. كنا ننتظرها مساء في عرشنا بفارغ الصبر. فالمعزة عندنا كانت جزءاً من العائلة، فإذا مرضت سقيناها «الكوكا كولا» بالبراد كعلاج، وإذا ولدت غطت أمي «المربط» بإزار وأطلقت البخور لطرد العين. المهم، كنا ننتظر الماعز أمام المقبرة, وكانت المقبرة حائطا صخريا رماديا طويلا حدا فاصلا يعني نهاية المدينة وبداية الصحراء. والمقبرة كانت ما بعد الصحراء. لم أفهم و أنا صبي لمذا يأخذ الأموات هناك إلى الصحراء خلف الحائط. في كل صباي لم أجرأ على تجاوز ذلك الحائط الصخري عندما نلعب «الحويزة»، لأنني كنت أعتقد أنه نهاية العالم. عندما يموت أحدهم كنت أرافق أمي إلى الحدود التي لا يجب أن تتجاوزها النساء بينما كانت تعضّ على ملحفتها السوداء بأسنانها ممسكة بيدي بعنف حتى لا أضيع وأقترب من المكان المحرم ناظرين إلى النعش مختفيا وراء الحائط. بعد أن ماتت جدتي في أوخر التسعينيات وكنت قد كبرت قليلا تجاوزت الحائط. كانت «شواهد» الموتى من خشب النخيل، اثنتان للرجال وثلاث للنساء من أجل التفريق. وحينها كان البناء على القبور ترفا منكورا من سكان المدينة، وكان يستدل على قبر الميت بشيء من ثيابه كلحفة الرجل أو «محرمة» المرأة. كنت أزور قبر جدتي كل يوم أنتظر فيه عودة معزتنا من عند «السارح». في يوم اكتشفت بالقرب من قبر جدتي قبرا صغيرا. كنت أعتقد أن الشيوخ وحدهم الذين يموتون. كان قبرا من الإسمنت مطليا اعتاباطيا «بالجير» موضوعا قريبا جدا من قبر أحدهم و كأنه مؤنس له في رقاده. كنت صغيرا ولا أعي طبائع الأشياء،.ما شدني أن القبر يحمل نفس الاسم الذي أحمله «محسن عامر». أخذت شقفة اجر وبدأت بالحفر حول الإسم، وكان اسمي. كان محسن عامر الميت من سنة 1987، أي نفس سنة ميلادي. حاولت نبش ما تحت البناء الإسمنتي ولكنني توقف خوفا من ما يمكن أن أجد خلت وقتها بعقلي الصغير أن القبور تعد للموتى قبل موتهم. سألت أمي, لم تعرف الميت او أنها قدرت خوفي الصغير. ومن وقتها في كل مساء أنتظر فيها معزتنا أزور قبل جدتي وقبل هذا الذي يحمل اسمي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.