الحفاظ على موروثنا الشعبي

يُعَدُّ التراثَ الشعبي مِنْ بَيْنَ جملة العلوم الَّتِي فرضت أهميتها عَلَى القياداتِ الإدارية فِي الكثيرِ مِن البلدان – المتقدمة والنامية عَلَى حد سواء – التمسك بتدريسها فِي مؤسساتها التربوية ومنظوماتِها التعليمية مِنْ أجلِ ضمان الحفاظ عَلَى هويةِ بلدانها التاريخية؛ إذ أنَّ التراثَ أو الموروث الشعبي يشكل جزءاً مهماً مِنْ تاريخِ الشعوب وثقافتها، بوصفِه الوعاء الَّذِي تنهل منه الكثير مِن المقوماتِ المعبرة عَنْ ثقافتها وهويتها الوطنية، وهو الأمر الَّذِي ألزم إدارات الثقافة فِي غالبيةِ بلدان العالم الحرص عَلَى صيانةِ تراثها ومحاولة «بعضها» نقله إلى العالمية، فضلاً عَن سعيِها الحثيث لإحياءِ موروثها الوطني، وَلاسيَّما الأنشطة المتعلقة بالصناعاتِ التقليدية والحرف اليدوية، بالإضافةِ إلى ما كان سائداً مِن الثقافاتِ الشعبية، وَالَّتِي تشكل القيم والعادات والتقاليد، بالإضافةِ إلى الفنونِ والأهازيج وغيرها مِنْ فعالياتِ الفلكلور الشعبي والمأثورات الشعبية قاسمها المشترك. وضمن هذا الإطار مِن المناسبِ الإشارة إلى رؤيةِ بعض الباحثين حول أهمية الدور المعنوي للتراثِ فِي مهمةِ تنمية البلدان ونهوضها؛ نتيجة امتلاكه آلية دفاعية تجعله قادراً عَلَى استنفارِ الشعوب وحشد طاقاتها وتأمين تكاتفها، الأمر الَّذِي حفز بعض المجتمعات عَلَى استحضارِ مأثورها الثقافي والفني المكون مِنْ مجموعة القيم والآداب والتقاليد الشعبية والموروثة والثقافات الملموسة مثل الفنون التشكيلية والموسيقى، فضلاً عَنْ عاداتِ الآباء والأجداد، ومناقلتها للأجيالِ الحديثة بسبلٍ مبتكرة تتماشى مع طبيعةِ الحياة العصرية الَّتِي يعيشها عالم اليوم.
المتوجبُ إدراكه أنَّه بعيداً عَنْ الأبعادِ الَّتِي خلفتها ظاهرة الاستيراد العشوائي فِي واقعِ الأنشطةِ الخاصة بالصناعةِ المحلية، إلى جانبِ سلبية آثارها في اقتصادِنا الوطني، فإنَّ النظرَ إلى واقعِ الصناعات الشعبية يأخذ منحى آخر يرتبط بموروثِنا الوطني الَّذِي يفرض عَلَى الجميع المحافظة عَلَيه مِنْ سطوةِ التقنيات الحديثة الَّتِي اكتسحت الصناعات اليدوية فِي مختلفِ أرجاء المعمورة والعمل عَلَى تنميته عبر إقامة المدارس أو المعاهد المتخصصة بإدامةِ زخم تلك الصناعات، بالإضافةِ إلى دعمِ النشاط الخاص الَّذِي يُعَدّ البيئة الملائمة لترويجِ فعالياتها والمحافظة عليها؛ إذ أنَّ الصناعاتَ الشعبية تُعَدّ صناعة متكاملة تتميز بالمهنيةِ العالية والحرفية فِي الأداء، بوصفِها صناعة ولدت فِي رحمِ فضاءات واسعة تعتمد المعايير الفنية والتقنية والعلمية عَلَى الرغم مِنْ عدمِ إدراك بعض ممارسيها لتلك الاعتبارات بشكلِها النظري.
ليس خافياً أنَّ فاعليةَ التداعيات الَّتِي أفرزتها عملية التغيير السياسي فِي البلاد ساهمت إلى حدٍ كبير فِي الانعطافِ الحاسم الَّذِي تعرضت له أغلب مفاصل صناعتنا الشعبية المتوارثة، وَلاسيَّما استفحال ظاهرة الإغراق السلعي الَّتِي لعبت دوراً كبيراً فِي انحسارِ عرض المنتجات الخاصة بتلك الصناعات فِي السوقِ المحلي؛ نتيجة تراجع إنتاجيتها، إلى جانبِ اندثار عدد منها بفعلِ حالة التوازن ما بين انخفاض أسعار البضائع والسلع «المستوردة»، وبين تواضع القدرة الشرائية للمواطنِ العراقي الَّذِي خرج للتوِ مِنْ أتونِ الدكتاتورية البغيضة متعطشاً إلى تكملةِ حاجات منزله ومتطلبات عيشه، وبخاصة الشرائح الاجتماعية الفقيرة الَّتِي تعاني مِنْ انخفاضِ مدخلاتها السنوية.
فِي أمَانِ الله.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.