الذات الشعرية في «أرق جماعي» وجلدها الدلالي والموضوعي

كامل التميمي

(على شراعٍ مهمشٍ
رسمت ابتسامة شاحبة)
بهذه الصورة بدأت حكاية «الأرق الجماعي» لنخبة من الشعراء العراقيين ضمت أشعارهم مجموعة مشتركة صادرة عن دار أمل سوريا ضمن سلسلة إصدارات الرابطة العربية للآداب والثقافة فرع بغداد تضمنت (27) نصّا شعريا وبواقع (70) صفحة من الحجم المتوسط. مصمم الغلاف الأديب فلاح العيساوي جعل «الأرق الجماعي» بلون أصفر ليشير هذا اللون إلى أكثر من معنى وأكثر من دلالة. ولعلنا في هذه العجالة نقف عند واحد من رموزه وهو المرض وماهية علاقته بالعنوان.
«الأرق» يُعد من مصطلحات العلوم النفسية وهو من الاضطرابات المصاحبة للنوم الناتجة عن تعرض الناس لظروف صعبة كالحروب والأزمات والمحن وهو أكثر الاضطرابات انتشارا بين الناس؛ إذ يعاني منه كثير منهم وفي أغلب الأحيان يتعداه الى المحيطين بهم، فتراهم يعانون من صعوبة التعامل معه نتيجة قلة النوم. وبهذا يكون اختبارنا مؤيدا لطبيعة العنوان وعلاقته بواحد من رموز اللون الأصفر.
فحينما يتحول الأرق الى ظاهرة جماعية فالأمر بلا شك يستدعي الوقوف عندها، وعبر هذه المقدمة يتضح لنا الارتباط الوثيق بين إشارة اللون الأصفر في عنوان المجموعة وبين إحالته الواقعية التي سنتطرق لها لاحقا، والسؤال الذي يلقي بظلاله في هذا المقام: هل كان العنوان ذا دلالة واقعية في بعدها الموضوعي العلمي أو هو دالة فنية تقترب من جلد الذات؟
من الواضح أن اختيار العنوان جاء على وفق رؤية مدروسة لمضامين النصوص ومتونها الواردة في هذه المجموعة الشعرية، فثمة كناية تشير إلى واقع تخريبي مثقل بالمحن، ولو بحثنا عن أصوات الشعراء لوجدناهم من بيئة واحدة كما أشار الغلاف بعبارة (مجموعة شعراء عراقيين).
وهذه البيئة لا يخفى على أحد ما حل بها من دمار شملَ جميع قطاعاتها المختلفة ومرتّ عليها مراحل ممنهجة في التخريب والاضطرابات السياسية والأمنية والأزمات الاقتصادية.
لذا فالكناية التي حواها العنوان هنا جاءت مؤكدة لهذا الواقع العراقي كما ورد في مقطع لجلال الشرع:
(وشاخ همّي
وهدْهد سدرة الأوجاع غُلاً)
إذ يتضح من هذا المقطع كم كبير من الأوجاع تجمعت فيه ليعلن عن تشكيلة مضطربة يدعونا للتخيل عبر «شاخ».. هم.. الهدهدة.. سدرة الأوجاع..
فجميعها مدعاة لألم جسيم طفحت به هذه الكلمات.
اما أمير الحلاج فأرقه ناجم عن قناعته أن الواقع لا يتغير ولا سبيل للخلاص من هذا الأرق إلا عبر هذا المقتطع:
(سوى العصا من تهيمن في فعلها).
ومن نص بلال الجميلي نقتبس كيف يحاول أن يتخلص من أرقه عبر ملاذاته:
(أقول الشّر كي أخلي همومي).
أما حياة الشمري فالعناق يؤرقها مطلقة صرخة بوجه الصدر المنادى لكي يتحول جمرا يحفزها على الكلام الذي يمثل بداية التخلص من الهم النفسي.
سعاد محمد في شحوبها تقول معبرة عن أقصى درجات وجعها:
(شي ما في دماغي قد تعطّل
خيط ما فيه, أيضا, قد انقطع).
أما في (تسابق أزمنة الموت و رائحة الشواء) لشذى أسعد يتضح الاضطراب والوجع:
(تسكنني آثار المناديل
التي أغرقتها وحشة السماء).
وفي مقطع لعلي فرحان يؤسس تناصا لأرقه يشبه أرق الفقراء، حين تصلب رحمة السماء في بطونهم:
(سوداء دشداشتي
كما
في كل مرة
المسيح يصلب من جديد).
خير وسيلة لدفع الأرق هو الهروب إلى الحب كما يتضح في قصائد قاسم ضيدان الواردة في هذه المجموعة. إذ يقول في مقتطع له:
(حبيبتي في ظلام القلب تأتلقُ).
وفي صخور كامل الزهيري وهي يائسة، يتجلى أرقه فوق صخور الحقيقة:
(أعرف أنها أضغاث أحلام
وأنا مرهق من تكسر الآمال
فوق صخور الحقيقة).
محمد الحافظ يترك لنا وصايا معتقدا إنها تقضي على آفة الأرق
إذ يقول:
(حذارِ من أن ُتسلب
الفقراء ضحكاتهم)
ووصولا إلى نص ميادة العاني التي تختم سفر الأرق في هذا المجموعة قائلة:
(سأحمل عصاي كقائد أوركسترا وألوح بها في مسرحكم الكبير الذي يخلو من الحاضرين
إلا أنا وشيء من القلق).
هذه بعض أدلة، وغيرها كثير تثبت نجاح آليات العمل الفني الوارد في هذ المنجز وتوافقها بدءا من التصميم وصولا إلى اختيار اللون المنسجم مع طبيعة العنوان فضلا عن طبيعته المنفتحة على بعدين: موضوعي وذاتي وتمظهر الذاتي في الموضوعي مما يدعو الى دراسة هذه المجموعة الشعرية بأكثر من منهج نقدي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.