الرّياء وكيفيّة نشوئه في النّفس

من المعلوم أنّ جميع الملكات النفسيّة والخُلقيّة ليست سوى تجلّيات العقائد الرّاسخة في النّفس. وبدورها تظهر هذه الأخلاق ـ بحسنها وقبحها ـ في سلوك الإنسان وأعماله. وعندما نربط كلّ خُلقٍ بجذوره ومنابته الاعتقاديّة، ونتعرّف إلى ظهوراته العمليّة والسّلوكيّة، نكون قد عرفناه كما يجب، وأدركنا حقيقته. ولهذا، وجدنا الإمام الصّادق عليه السلام في الحديث المشهور الذي شرحه الإمام الخمينيّ قدس سره مفصّلًا في «الأربعون حديثًا» يبيّن «كُلُّ رِيَاءٍ شِرْك» . فما نعرفه عن الرّياء من أنّه «إظهار وإبراز شيء من الأعمال الصّالحة أو الصّفات الحميدة أو العقائد الحقّة الصّحيحة للنّاس، لأجل الحصول على منزلة في قلوبهم والاشتهار بينهم بالصّلاح والاستقامة والأمانة والتديّن، من دون أن تكون هناك نيّة إلهيّة صحيحة» ، كما عرّفه الإمام، ليس سوى ظهور لمشكلة أكبر وأعمق، مشكلة يفهمها أهل الإيمان جيّداً، ويعلمون مدى خطورتها و وخامتها. وكلّ من كان في قلبه ذرّة إيمان سيهوله هذا الأمر ويصعقه. فحال الشّرك، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ ، وحقيقة الشّرك كما قال عزّ من قائل: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ . فمن مات على الشّرك حُرم المغفرة التي لا يستغني عنها أحد من العالمين في يوم الحساب، وهو الخائب الأكبر، لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ . بهذه الهزّة يتنبّه أهل الإيمان، ويتوجّهون إلى ما يمكن أن تخفيه هذه الحالة السّلوكيّة، النّاشئة من ملكة نفسيّة راسخة، ويعلمون أنّهم أمام مشكلةٍ، إذا بقيت ولم تتم إزالتها، فسوف تقضي على جميع الأعمال وتحبطها، مهما كانت هذه الأعمال حسنة أو صالحة، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . يقول الإمام الخميني قدس سره: «… لقد سمعتَ في الأحاديث الشريفة أنّ المرائي مشرك، إنّ من يرائي بين الناس برياسته الدينية وإمامته وتدريسه وصومه وصلاته وبأعماله الصالحة لأجل الحصول على المنزلة في قلوبهم، فهو مشرك» .
وسواء كان هذا الإظهار أمام الأنظار والأبصار حيث يُسمّى لغةً واصطلاحًا بالرّياء، أم أمام الأسماع والآذان حيث يُسمّى بالسّمعة، فإنّه من شجرة واحدة. يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: «اعلم، أنّ السّمعة – وهي إيصال خصال النّفس إلى أسماع النّاس لاجتذاب قلوبهم ولأجل الاشتهار ـ من شجرة الرّياء الخبيثة، ولهذا السّبب ذكرناها مع الرياء في باب واحد، ولم نعمد إلى ذكر كلّ واحدة منهما بصورة منفصلة» . وهكذا يريدنا هذا الطّبيب الشّفيق أن نتعرّف إلى أصل المشكلة. وبكلماته التي تنفذ إلى أعماق القلوب المستعدّة، يوقظ فينا حالة التّوجّه إلى خطرٍ عظيم: «أيّها المسكين، أنت في حضرة الله جلّ جلاله، وفي محضر الملائكة المقرّبين، تعمل خلاف رضا الله تعالى، والعبادة التي هي معراج القرب من الله، تؤدّيها لأجل النّفس الأمّارة بالسّوء ولأجل الشّيطان، وعندها لا تستحي أن تكذب في العبادة عدّة أكاذيب في حضرة الربّ والملائكة المقرّبين وتفتري عدّة افتراءات، وتمنّ وتعجب وتتدلّل أيضا، ولا تخجل بعد كلّ ذلك! بماذا تختلف عبادتي هذه وعبادتك عن معصية أهل العصيان، وأشدّها الرّياء؟! فالرّياء شركٌ، وقبحه ناشئٌ من أنّك لم تؤدِّ العبادة لأجل الله. جميع عباداتنا شرك محض ولا أثر فيها للخلوص والإخلاص، بل حتّى أنّ رضا الله لا يشترك في الدّافع إلى إنجاز هذه العبادة، فهي لأجل الشّهوات وإعمار البطن والفرج فحسب» .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.