المهن الشعبية

يُعرفُ الكثير مِن الباحثينِ فِي مجالِ علمِ التوثيق مفهوم الموروث الشعبي بوصفه مجموعة العلوم والمعارف الَّتِي يتناقلها الناس جيلاً بعد جيل، وَالَّتِي اشتملت عَلَى جميعِ المأثورات مِنْ شعرٍ وغناء وموسيقا وقصص وحكايات وأمثال ومعتقدات شعبية، فضلاً عَما كان سائداً مِنْ مهنٍ شعبية ومهارات وألعاب بمختلفِ أشكالها. ويرى المتخصصون أَنَّ التراثَ والموروث الشعبي يُعَدّ جسراً للتواصلِ ما بين الأجيال؛ لاعتباراتٍ تتعلق بكونِه أحد الركائز الأساسية فِي عمليةِ التنمية والتطوير والبناء، إلى جانبِ النظر إليه عَلَى أنَّه مكوّن أساس فِي صياغةِ الشخصية الوطنية وبلورة هويتها.
مِنْ المعلومِ أنَّ عمليةَ تشكيل الهوية الثقافية لأيِّ شعبٍ أو أمةٍ أو بلد، ترتكز عَلَى حصيلةِ التراكمات المتأتية مِنْ إجمالي النشاطات الخاصة بتفاعلِ الإنسان مع المتغيراتِ البيئية والاجتماعية والثقافية، وَالَّتِي ينجم عَنْها ما يشار إليه باسمِ الموروث الثقافي؛ لذا فإنَّ الدعوةَ لإحياءِ التراث تنطلق من أهميته فِي تشكيلِ الهوية الثقافية التي تميز أي مجتمع بشري عَنْ غيره، حيث أنَّ الهويةَ بالاستنادِ إلى هذا الفهمِ تُعَدّ قيمة التراث، وَالَّذِي يتعامل مع مفهومِه المتخصصين بوصفِه ذاكرة التاريخ الحية، وحلقة الوصل ما بين الماضي والحاضر. ومِنْ هنا فإننا لا نبعد عَنْ الحقيقةِ إذا ما قلنا :إنَّ محاولةَ فهم التاريخ وأحداثه لا يمكن أنْ تكتمل أهدافها بمعزلٍ عَنْ دراسةِ التراث، فإذا كان التاريخ هو ذاكرة الأمة، فالتراث بحسبِ أصحاب الشأن هو روحها بفعلِ ما يكتنزه مِنْ عقائدٍ وتقاليد وقيم أصيلة ولغة وأفكار وممارسات وأسلوب حياة.
تأسيساً لما تقدم، تسعى الشعوب الحية إلى اعتمادِ ما متاح مِنْ الآلياتِ الَّتِي بوسعِها المساهمة فِي دعمِ مهمة الحفاظ عَلَى الموروثِ الوطني، والتمسك فِي السيرِ ضمن هذا المسعى بوصفِه مسؤولية حيوية تتطلب مِنْ جملةِ موجباتها العمل عَلَى نشرِ التوعية فِي الأوساط الاجتماعية؛ لأجلِ إثراء المشهد التراثي والثقافي الَّذِي يفرض عَلَى القياداتِ الإدارية الحفاظِ عَلَى تراثِ البلاد وتقاليدها، والتوعية بأهميةِ التراث والثقافة والحضارة.
شهد العراق عبر تأريخه الطويل ازدهار مختلف المهن الشعبية الَّتِي أصبحت بعد عقود مِنْ الزمان صناعات رائدة فرضت رواجها فِي الأسواقِ المحلية والأجنبية، بوصفِها تعبيراً عَنْ نتاجِ أبناء بلد عميق فِي حضاراته الَّتِي تمتد إلى مراحلٍ زمنية غائرة فِي التاريخِ الإنساني، فصناعة السجاد اليدوي والدباغة والنجارة والأوعية النحاسية والسلال والفخاريات والخوص والأحذية، وكثير غيرها مِنْ المهنِ الَّتِي كانت سائدة إلى عهدٍ قريب فِي أسواقِنا المحلية؛ لتأمينِ بعض متطلبات الحياة اليومية، أفرزت اعمالاً متميزة ومهارةً فائقة وخبرات متراكمة، طبعت الموروثَ الشعبي بخصوصيةٍ أرتقت به إلى مستوى الأبداع والتميز.
المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ المهارة اليدوية كانت تشكل الحجر الأساس لألقِ المهن الشعبية الَّتِي كان كثير مِنْ أنواعِها يمارس مِنْ النساء فِي المنازلِ لغايةِ دخول المواد والتقنيات الحديثة الَّتِي سهلت أساليب الإنتاج الخاصة بتلك الصناعات، واختزلت أغلب مراحل الجهد اليدوي الخاصة بها بعد أنْ جعلتها فِي متناول العمال غير الماهرين، إلى جانب تقويضها المهارة اليدوية المعبرة عَنْ أبداعٍ كان لعقودٍ طويلة يشكل أبرز مميزاتها، إلى جانبِ التسبب فِي احتضارِ القيمة الفنية لتلك المهن واخراج عمالتها الماهرة مِنْ محيطها الإبداعي، ما أفضى إلى اندثارِ كثير منها.
فِي أمَانِ الله.

لطيف عبد سالم

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.