صدمة «ماروسي» ليست صادمة

لا نبعدُ عَنْ الحقيقةِ إذا ما قلنا إنَّ الخطورةَ تشكل أبرز سمات المرحلة الانتقالية؛ بالنظرِ لأهميتِها فِي إرساءِ أسس النظام الديمقراطي الجديد الَّذِي يفرض عَلَى القياداتِ الإدارية توخَّى الدِّقَّةَ فِيما تنتهجه مِنْ إجراءاتٍ وتدابير مِنْ أجلِ ضمان النجاح فِيما تعرضه مِنْ البرامجِ السياسية والاقتصادية وما يتعلق مِنها بالخدماتِ البلدية والاجتماعية، وَالَّتِي بمقدورِها تمكين المواطن مِن الحصولِ عَلَى أكثرِ المنافع أهمية بأدنى الأضرار وأقل الخسائر، وبما يضمن تحقيق الرفاهية الَّتِي يتطلع إليها.
بالاستنادِ إلى المخيلِ النّظري «المثالي»، يُعَدّ الطّبّ مهنة إنسانيّة أساسها الرحمة بفضلِ موجبات سموها إلى الاقترابِ الوجداني مِنْ الَّذِي خلقه الباري عزَّ و جلَّ بأحسنِ تكوين ومشاركته ببالغِ الاهتمام فيما يشعر به مِنْ حزن، ويعانيه مِنْ ألم، الأمر الَّذِي يفرض عَلَى رسلِها « الاطباء « ومعاونيهم ممارسة دورهم فِي معاينةِ المرضى وعلاجهم بكلِ تفانٍ واخلاص؛ لأجلِ الحفاظ عَلَى أرواحِ الناس والعناية بصحتهم بعيداً عَنْ الوقوعِ فِي شباكِ فيروس الأنانية أو الاستسلام لحساباتِ الربح والخسارة.
ليس خافياً أنَّ واقعَ المشافي الحكومية والأهلية فِي بلادنا أصبح بفعلِ مجموعة العواملِ الموضوعية – الَّتِي يتداولها الناس بشكلٍ دائم فِي الأماكنِ العامة والمجالس الخاصة – يشكل هاجساً مقلقاً للمرضى، وَالَّتِي مِنْ بَيْنَها كثرة الاخطاء الطبية، عدم الاهتمام بإيلاء المريض الاهتمام المطلوب، إغفال إدارات المشافي تأكيد نظافتها ومتابعة مسالة تعقيم الادوات الجراحية قبل العمل بها، فضلاً عَنْ كثيرٍ غيرها، بَيْدَ أنَّ أكثر ما يواجه المواطنين – وبخاصة شريحتي الفقراء والمعوزين – مِنْ صعوباتٍ هو ضخامة تكاليف معاينة الأطباء في المشافي الأهلية والعيادات الخاصة، وارتفاع أجور أجراء التحاليل فِي المختبرات، واقتناء العلاج مِن الصيدليات. وَمِنْ المؤكّـدِ أنَّ ظهورَ بعض المبادرات الإنسانية الرامية إلى التخفيفِ مِنْ عناءِ المواطن حيال هذه المسألة سيكون موضع ترحيب، فضلاً عَنْ أَنَّ مِنْ يسعى للعملِ ضمن هذا المنحى يُعَدّ مصدر فخر واعتزاز كبيرين للغاية، لكن المذهل فِي الأمرِ هو الخبر الَّذِي تناقلته قبل أيام الوسائل الإعلامية وروجته قنوات التواصل الاجتماعي حول قيام نقابة الاطباء فِي محافظة ذي قار بأغلاقِ عيادات الاطباء السوريين فِي قضاءِ سوق الشيوخ بالاستنادِ إلى طلبٍ مقدم مِنْ بعضِ الأطباء العاملين بعياداتٍ خاصة في القضاء؛ نتيجة ركون الأطباء السوريين إلى تقاضي أسعار رمزية مقابل كشف المرضى فِي عياداتهم!!.
المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ الأطباء السوريين بحسبِ المصادر الرسمية والشعبية فِي سوقِ الشيوخ يقدمون خدمات جليلة لأبناءِ القضاء بالتعاونِ مع اخوانهم الأطباء العراقيين، ما جعلهم محل اعتزاز واحترام مجتمع المدينة، وَلعلَّ خيرَ مصداقٍ عَلَى مَا تقدم هو قيام شخصيات مِنْ أبناءِ المدينة برفعِ دعاوى قضائية علَى الجهةِ الَّتِي طالبت بإغلاقِ عيادات الأطباء الأشقاء، بالإضافةِ إلى تضامنِ عدد مِنْ إعلامي سوق الشيوخ وصحافييها مع الأطباءِ السوريين. كذلك عبر قائممقام سوق الشيوخ عَنْ اعتزازِه الأطباء الأشقاء بقوله:» أَنَّهم أبناء سوق الشيوخ الأوفياء المخلصين المهنيين».
مهما كانت مبررات نقابة الأطباء، وَربما مِنْ بينها مسألة الانتماء للنقابة، فإنَّ ما أقدمت عَلَيه مِنْ إجراءٍ إداري يشكل خيبة أمل، وَأَدْهَى مِنْ ذلك أنْ يجري هذا الأمر فِي مدينةِ «ماروسي» التاريخية الغني تاريخها بالأدب والشعر ومختلف دروب الثقافة والمعرفة، وَالَّتِي أعرب أبناؤها استنكارهم لهذه العملية، وأعربوا عَنْ أسفِهم لعدمِ احتضان تلك الشخصيات الَّتِي تقدم خدمات للمواطنين أشبه بالمجان.
يكافؤون بإغلاق عياداتهم؛ لأَنَّهم يقدمون خدمة للفقراءِ والمعوزين، يبدو أَنَّه قدر العراقي الَّذِي جبل عَلَى دفعِ ثمن رغبات مَنْ لا يرحم ويتمظهر بلباسِ الملائكة!!.
فِي أمَانِ الله.

لطيف عبد سالم

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.