Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

السيف والفتوى دراسة توثيقية لجرائم الإبادة الجماعية في العراق من العصر الأموي حتى الاحتلال العثماني

الحلقة 20

د. حيدر فرحان الصبيحاوي

تنشر (المراقب العراقي) كتاب (السيف والفتوى) لـ د. حيدر فرحان الصبيحاوي، الصادر عن مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية. ويوثق الكتاب ويؤرخ لجرائم الابادة الجماعية التي تعرض لها العراق من العصر الاموي وحتى العصر العثماني.كان معاوية يعرف جيداً بأنه مرفوض من المسلمين، ولا سيما الصحابة، حتى أنه عندما تولى الحكم بعد تنازل الإمام الحسن (ع) عن الخلافة، خطب في جمع من قريش فقال: (أما بعد، فإني والله ما وليتها بمحبةٍ منكم، ولا مسرة بولايتي، ولكني جالدتكم بسيفي هذا مجالدة)، حتى قال له قيس بن سعد وكان من أنصار الإمام علي عليه السلام: (والله إني كنت أكره أن تنكشف تلك الحروب، وأنت أمير…). وبتلك المقالتين يتوضح بغض المسلمين لمعاوية كونهم يعلمون من تاريخهم المعادي للإسلام والمسلمين بأنه سيسيّس الخلافة سياسية ملكية تلعب فيها الأهواء والرغبات والملذات، وهذا ما تكشف بعد حين حينما ملك الأمويون رقاب المسلمين، ومما يدلل على رفض المسلمين لتولي الأمويين مقاليد الحكم الإسلامي هو ما صرح به عقبة بن أبي سفيان حينما خطب بأهل مصر بعد سماع أهل مصر مرض معاوية، ففرحوا بذلك، فقال: (أرجفتم بالخليفة، وأردتم توهين السلطان.. فهذا كتاب أمير المؤمنين.. وأعلموا أن سلطاننا على أبدانكم لا على قلوبكم). وما بين خطاب معاوية وخطاب أخيه يأتي الاعتراف بأنهم غاصبون للسلطة بحد السيف والخداع، بالتأكيد هذا الإحساس يولد الكراهية والبغضاء لدى حكام الجور ويدفع بهم إلى ارتكاب كل شيء من أجل البقاء والمحافظة على سيادتهم حتى لو هلك الناس جميعاً، ولا سيما أنه يعترف بأن سيادته لم تأتِ من إيمان، وإنما جاءت بقوة السيف. وبالفعل فقد صدق معاوية فيما قاله فبالسيف والسم قتل خير رجال الأمة وأبناء انبيائها، فسم الإمام الحسن (ع)، وقتل الصحابة وسخر دهاءه وبذل المال في تحقيق أهدافه السياسية فنرى استغلال معاوية لذهاب عقيل بن أبي طالب إليه، إذ دفعت الحاجة المالية عقيل الى أن يقصد معاوية في الشام لسد حاجته بعد أن رفض أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) تزويد عقيل أكثر من عطائه من بيت مال المسلمين، فما كان من معاوية إلا أن رحب به وأكرمه وسد حاجته مستغلاً قدومه إليه في دعم موقفه السياسي فجمع أهل الشام وقال: (أعظم الناس من قريش عليكم حقاً إبن عم النبي وسيد قريش، وها هو ذا يتبرأ الى الله مما عمل به أخوه). بطبيعة الحال فما قام به معاوية ليس حباً بعقيل أو اعترافاً منه بسيادته على قريش أو احترامه لقرابته من النبي (ص)، وإنما لاستغلال الموقف لصالحه أمام الشاميين في حربه ضد الإمام علي (ع) والخروج عن طاعته وتمرده على الشرعية، إذ صور نفسه بأنه الشخصية المحافظة على الإسلام وعلى قرابة النبي بينما الإمام علي هو من شق عصا المسلمين ـ حاشاه ـ بدليل نفور أخيه منه والمجيء الى معاوية، فقد حاول معاوية الاستفادة من عقيل مستغلاً عوزه المادي في الطعن بالإمام علي (ع)، فقال له: (كيف تركت علياً؟) قال: (تركته على ما يحب الله و رسوله، وألفيتك على ما يكره الله ورسوله)، فقال معاوية: (لولا أنك زائر منتجع جنابنا لرددت عليك جواباً تألم منه).
وهذا الموقف هو شبيه بموقفه من المطالبة بدم الخليفة الثالث عثمان بن عفان حينما صوّر للبسطاء ممن تربوا على دين معاوية بأن الإمام علي يتستر على قاتلي الخليفة الثالث، بينما حقيقة الأمر أن معاوية هو طرف في مقتل عثمان وهذا ما قاله الخليفة الثالث عثمان نفسه، عندما بعث المسور بن مخرمة الى معاوية يعلمه أنه محاصر ويأمره أن يجهز إليه جيشاً سريعاً، فقدم معاوية ومعه مسلم بن عقبة وابن خديج فقط ودخل على عثمان، فقال له عثمان: (أين الجيش؟ قال ما جئت إلا في ثلاثة رهط، فقال عثمان: لا وصل الله رحمك ولا أعز نصرك ولا جزاك خيراً فوالله لا أٌقتل إلا فيك ولا ينقم عليّ إلا من أجلك). وبذلك أصبح دم الخليفة الثالث أداة سياسية طيعة لمعاوية في استغلالها لتثبيت ملكه على الشام وتحقيق طموحه بالسيطرة على الدولة الإسلامية.
يمكن تمييز براعة الخداع الأموي والتلاعب السياسي من خلال خطبة زياد بن أبيه الى أهالي البصرة والمعروفة بالخطبة البتراء كونه لم يحمد الله عند بداية خطبته حيث وصف المعارضين للسياسات الأموية الطائشة «بالسفهاء» و»المبتعدون عن الدين» و»اللصوص» وغيرها من المفردات التي تدلل على أن المعارضين وهم جلهم من اصحاب رسول الله (ص) وشيعة الإمام علي (ع) بأنهم خارجون عن الدين، والهدف من ذلك هو إيجاد المبرر الشرعي لإبادتهم والتخلص منهم، ففي خطبة طويلة نقتطف بعضاً منها يقول زياد: (ألم يكن منكم نهاة يمنعون الغواة عن دلج الليل وغارة النهار؟ قربتم القرابة وباعدتم الدين.. وتغضون عن المختلس، كل امرئ منكم يذب عن سفيه صنيع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معاداً، ما انتم بالحلماء ولقد اتبعتم السفهاء.. حتى انتهكوا حرم الإسلام)، وبعد أن وصفهم بمواصفات إجرامية، جاء ليكمل خطبته بالتهديد والوعيد حيث يقول: (وإني أقسم بالله لآخذن الولي بالمولى والمقيم بالظاعن والمقبل بالمدبر والمطيع بالعاصي والصحيح منكم في نفسه بالسقيم.. ولا يظهر من احد منكم خلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه).

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.