Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

سلسلة المزارات الشيعية الشريفة مـــزار سعيـــد بــن جبيـــــر «رض»

إبراهيم الفرطوسي الخطاط

تنشر (المراقب العراقي) سلسلة عن تاريخ المزارات الشيعية المقدسة في العراق، والتي يكتبها الخطاط (ابراهيم الفرطوسي)، بالتعاون مع الاستاذ الكاتب والاعلامي السيد محمود الهاشمي. وتتناول هذه السلسلة قصص المزارات الطاهرة، وكيفية العثور عليها، مع عرض لقصة صاحب المزار.إسمه ولقبه
هو ابو عبد الله ـ وقيل ابو محمد ـ سعيد بن جبير بن هشام الاسدي مولى بني والبة، بطن من بطون بني أسد بن خزيمة. ولد في الكوفة من أبوين مملوكين. أبوه جبير مولى بني والبة وأمه أمة تكنى ام الدهماء. وهو الإمام الحافظ المقرئ المفسر الشهيد تابعي، سكن الكوفة ونشر العِلم فيها وكان من علماء التابعين، فأصبح إماماً ومعلماً لأهلها.
لم يصرّح أحد من المترجمين بتاريخ مولده، وصرحوا بأن مقتله كان في شعبان سنة 95 هـ،. وقد قال لإبنه «ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين»، كأنه عاش 57 سنة، وتوفي سنة 95 هـ، وعلى ذلك يكون ميلاده سنة 38 هـ تقريباً. وقد صرّح الذهبي بأن ميلاده كان في خلافة الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) وقال بعضهم: مات وله تسع وأربعون سنة، فيكون ميلاده سنة 46 هـ.
صفته
قال الذهبي: روي أنه كان أسود اللون. وعن عبد الله بن نمير عن فطر قال: رأيت سعيد بن جبير أبيض الرأس واللحية. وعن أيوب قال: سئل سعيد بن جبير عن الخضاب بالوسمة فكرهه، وقال: يكسو الله العبد النور في وجهه ثم يطفئه بالسواد؟! فالصبغ يكون بالأحمر أو بالحناء، ويكره الصبغ بالسواد. وعن إسماعيل بن عبد الملك قال: رأيت على سعيد بن جبير عمامة بيضاء. وعن القاسم الأعرج قال: كان سعيد بن جبير يبكي بالليل حتى عمش.
علمه ونشأته
نشأ سعيد بن جبير محبّاً للعلم، مقبلاً عليه، ينهل من معينه، فقرأ القرآن على ابن عباس، وأخذ عنه الفقه والتفسير والحديث، كما روى الحديث عن أكثر من عشرة من الصحابة، وقد بلغ رتبة في العلم لم يبلغها أحد من أقرانه. قال خصيف بن عبد الرحمن عن أصحاب ابن عباس: كان أعلمهم بالقرآن مجاهد وأعلمهم بالحج عطاء، وأعلمهم بالطلاق سعيد بن المسيب، وأجمعهم لهذه العلوم سعيد بن جبير.
وقد روى عن ابن عباس، وعن عبد الله بن مغفل، وعائشة، وعدي بن حاتم، وأبي موسى الأشعري في سنن النسائي، وأبي هريرة، وأبي مسعود البدري ـ وهو مرسل ـ وعن ابن عمر، وابن الزبير، والضحاك بن قيس، وأنس، وأبي سعيد الخدري، و روى عن التابعين، مثل أبي عبد الرحمن السلمي. وكان من كبار العلماء، وقرأ القرآن على ابن عباس. ولم يجد ضالته في العلم حتى التقى الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) فنهل من هذا المنهل العذب العلوم الإلهية واغترف من المدرسة المحمدية، فقد تشرّف سعيد بصحبة هذا الإمام العالم فلازمه بعد وفاة ابن عباس، فانتقل سعيد الى المدينة المنورة. وقد ذكر الكشي في رجاله عن الإمام الصادق (ع) قوله (كان سعيد بن جبير يأتمُّ بعلي بن الحسين (ع)، فكان علي (ع) يثني عليه وما كان سبب قتل الحجاج له إلّا على هذا الأمر، وكان مستقيماً). وقد أكد البرقي ذلك في رجاله ج 1/ ص 8 فقال: (سعيد بن جبير من أصحاب الإمام علي بن الحسين (ع))، وكذلك الفضل بن شاذان بقوله: (كان يأتمُّ بعلي بن الحسين (ع) وكان علي(ع) يثني عليه وما كان سبب قتل الحجاج له إلّا على هذا الامر، وكان مستقيماً). وقد اعتمد هذا الرأي ابو داّد في رجاله ج 1/ ص 169، والعلامة الحلي في رجاله ايضاً ج 1/ ص 79. عاصر سعيد الكثير من الاحداث المأساوية التي مرت بها الامة الإسلامية، فقد كانت اصداء واقعة الطف وما جرى على آل الرسول في كربلاء ثقيلة الوط ء عليه فروي عنه قوله: (ما مضت عليّ ليلتان منذ قتل الحسين (ع) إلا أقرأ فيهما القرآن إلا مسافراً او مريضاً). كما روى الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 4/ ص 336 عن سعيد قوله: (منذ قتل الحسين (ع) حتى اليوم أتلو في كل ليلة حزباً من القرآن). والظاهر ان حاجته النفسية الى قراءة القرآن والتعبد تشعره ببعض السلو عن ذكرى الطف الاليمة. كما شهد سعيد ثورة ابن الزبير و رمي الكعبة المشرفة بالمنجنيق من يزيد، وكذلك واقعة الحرة واستباحة مدينة الرسول من مسلم بن عقبة مجرم يزيد، وغيرها من جرائم بني أمية التي أدمتْ قلوب المسلمين، وخاصة امثال سعيد بن جبير من المؤمنين المخلصين، فكانت آلامهم أشد وهم يرون المقدسات والحرمات تنتهك والدماء البريئة تسفك والاموال تنهب بغير وازع من دين او ضمير.
استشهاده
كانت الكوفة حينما اتخذها سعيد بن جبير دارَ إقامةٍ له خاضعةً للحجاج بن يوسف الثقفي، كان الحجاج والياً على العراق والمشرق وبلاد ما وراء النهر، وكان يتربّع حينئذٍ على ذروة سطوته وسلطانه، وذلك بعد أن قَتَلَ عبد الله بن الزبير، وقَضَى على حركته، وأخْضعَ العراقَ لسلطان بن أمية، ثم شاء الله أن يقع صدامٌ بين الحجاج بن يوسف الثقفي وبين عبد الرحمن بن الأشعث، أحد كبار قوّاده، الذي أرسله الحجاج لغزو رتبيل. فقد سيَّر الحجاجُ ابنَ الأشعث بجيش لغزو رتبيل ملك الترك على المناطق الواقعة وراء سجستان، فغزا رتبيل، وكتب له كتاباً استأذنه فيه بالتوقف عن القتال مدة من الزمن، ليختبر مداخل البلاد ومخارجها. فاغتاظ الحجاج منه، وأرسل إليه كتاباً يَصِفُه فيه بالجبن والخنوع، وينذره بالويل والثبور، ويهدِّده بالتنحية عن القيادة.
فجمع عبد الرحمن وجوهَ الجند، وقادة الكتائب، وقرأ عليهم كتاب الحجاج، واستشارهم فيه، فَدَعَوْهُ إلى الخروج عليه، والمبادرة إلى نبذِ طاعته، فقال لهم عبد الرحمن: (أتبايعونني على ذلك، وتؤازرونني على جهاده، حتى يطهِّر اللهُ أرضَ العراق من رجسه)؟ فبايعه الجند على ما دعاهم إليه. هبَّ عبدُ الرحمن بن الأشعث بجيشه الممتلئ كراهيَةً للحجاج، ونشبتْ بينه وبين جيوش الثقفي معارك طاحنة، انتصر فيها نصراً مؤزراً، فتمّ له الاستيلاء على سجستان، وجلِّ بلاد فارس، ثم أقبل ابنُ الأشعث يريد انتزاع الكوفة والبصرة من يدي الحجاج، وفيما كانت نيرانُ الحرب مشتعلة بين الفريقين، وكان ابن الأشعث ينتقل من ظفرٍ إلى ظفر، وقع للحجاج خطب زاد خصمه قوةً، ذلك أن ولاة الأنصار كتبوا إلى الحجّاج كتباً قالوا فيها: إن أهل الذمّة قد طفقوا يدخلون في الإسلام، ليتخلصوا من دفع الجزية، وقد تركوا القرى التي يعملون فيها، واستقرّوا في المدن، وأنّ الخراج قد اضمحلّ.
فماذا فعل الحجاج؟ كتب إلى ولاته في البصرة وغيرها كتباً, يأمرهم فيها, أن يجمعوا كل من نزح إلى المدن من أهل الذمة، وأن يعيدوهم إلى القرى مهما طال نزوحهم عنها فخرج إليهم فقهاء البصرة، وقراؤها ليغيثوهم، ويشفعوا لهم، فلم يتمكنوا من ذلك. اغتنم عبد الرحمن بن الأشعث القائد الذي انشق عنه هذه الفرصة, ودعا الفقهاء والقراء إلى مؤازرته، فاستجابت له كوكبة من جلّة التابعين، وعلى رأسهم سعيد بن جبير، وكان النصرُ أولَ الأمر لابن الأشعث ومَن معه على الحجاج وجنوده، ثم بدأت كفةُ الحجاج ترجح شيئاً فشيئاً، حتى هزم ابن الأشعث هزيمة منكرة، وفَرَّ ناجياً بنفسه، واستسلم جيشه للحجاج وجنوده. أمر الحجَّاجُ مناديَه أن ينادي في المقاتلين المهزومين، وأن يدعوهم لتجديد بيعته، فاستجاب أكثرهم له، وتوارى بعضهم عنه، وكان بين المتوارين سعيد بن جبير (رض)، حيث اتخذ من مكة مخبئاً له من الحجاج, وظلّ يضرب في أرض الله الواسعة مستخفياً عن الحجاج وعيونه، حتى لجأ إلى قرية صغيرة مِن أراضي مكة، وبقي على حاله هذه عشر حججٍ كاملات.
بَيْدَ أنه حدث ما لم يكن يتوقعه أحد، ذلك أنه قدم على مكة والٍ جديد من ولاة بني أمية، هو خالد بن عبد الله القسري ، فما أنْ علِم بمكان سعيد بن جبير حتى أرسل إليه سرية من جنوده، وأمرهم أن يسوقوه مقيداً إلى الحجاج في مدينة واسط. فلما صار عنده، نظر إليه في حقد، وقال: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير، فقال: بل شقي بن كسير، قال: بل كانت أُمِّي أعلمَ باسمي منك. وبعد حوار جرى بينهم قال: فما تقول فيَّ؟ قال: أنت أعلم بنفسك. قال: بل أريد علمك أنت. قال: إذاً: يسوءك ولا يسرك. قال: لا بد من أن أسمع منك. قال: إني لأَعْلَمُ أنك مخالف لكتاب الله تعالى، تُقدِم على أمور تريد منها الهيبة، وهي تقحمك الهلَكَةَ، وتدفعك إلى النار دفعاً. قال: أمَا واللهِ لأقتلنك. قال: إذاً تفسد عليَّ دنياي، وأفسد عليك آخرتك. قال: اختر لنفسك أي قتلة شئت. قال: بل اخترها أنت لنفسك يا حجّاج، فو الله ما تقتلني قتلة إلا وقتَلك اللهُ مثلها في الآخرة. قال: أتريد أن أعفوَ عنك؟ قال: إن كان العفو فمن الله تعالى، أمّا أنت فلا أريده منك. فاغتاظ الحجاج، وقال: السيف والنطع يا غلام. فتبَسَّم سعيد، فقال له الحجاج: وما تبسُّمك؟ قال: عجبت من جرأتك على الله، وحلم الله عليك. قال: اقتله يا غلام. فاستقبل القبلة، وقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، قال: اذبحوا عدو الله، فما رأيت رجلاً أَدْعَى منه لآيات القرآن الكريم. فرفع سعيد كفَّيه، وقال: اللهم لا تسلِّط الحجاجَ على أحد بعدي. قال: فلم يمضِ على مصرع سعيد بن جبير غير خمسة عشر يوماً, حتى حمَّ الحجاج، واشتدت عليه وطأةُ المرض، فكان يغفو ساعة ويفيق أخرى، فإذا غفا غفوة, استيقظ مذعوراً, وهو يصيح: هذا سعيد بن جبير آخذاً بخناقي، هذا سعيد بن جبير، يقول: فيمَ قتلتني؟ ثم يبكي، ويقول: ما لي ولسعيد جبير، ردّوا عني سعيد بن جبير.
مرقده
يقع مرقد التابعي الجليل سعيد بن جبير في قضاء الحي على مسافة 40 كم جنوبي الكوت، ويعد يوم السابع والعشرين من ذي الحجة من كل عام هو يوم زيارة سعيد بن جبير، اذ يصادف هذا التاريخ يوم المجيء به مكبلا من البيت الحرام الى مدينة واسط القديمة.
واول من شيد ضريح سعيد بن جبير (كنعان اغا) عام 1241 هـ. وفي مطلع العشرينات من القرن الماضي تم تشيد ضريح سعيد بن جبير واستخدم الطين وجريد النخل في العمل. وقد شهد المزار إعمارا كبيرا في المراحل اللاحقة خاصة بعد الحاقه بالوقف الشيعي (الامانة العامة للمزارات الشيعية الشريفة. ويقام في ذكرى استشهاده سنوياً مؤتمر تحضره شخصيات علمية من أغلب الدول الاسلامية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.