Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

نفحات ولائية من كتاب الحكومة الاسلامية للإمام الخميني «قدس سره»

الجزء الاول
ولاية الفقيه فكرة علمية واضحة، قد لا تحتاج إلى برهان، بمعنى أن من عرف الإسلام، أحكاماً، وعقائد، يرى بداهتها. ولكن وضع المجتمع الإسلامي، ووضع مجامعنا العلمية على وجه الخصوص، يضع هذا الموضوع بعيداً عن الأذهان، حتى لقد عاد اليوم بحاجة إلى البرهان. فما أسباب غربة الأمة عن مبدأ ولاية الفقيه‏‏؟:
أولا- الحركة اليهودية والتبشير الإستعماري:
ابتليت الحركة الإسلامية من أول أمرها باليهود، حينما بدأوا نشاطهم المضاد، بالتشويه لسمعة الإسلام، والوقيعة فيه، والافتراء عليه، واستمر ذلك إلى يومنا هذا. ثم كان دور كبير لفئات يمكن أن تعدّ أشد بأساً من إبليس وجنوده. وقد برز ذلك الدور في النشاط الاستعماري الذي يعود تاريخه إلى ما قبل ثلاثة قرون. وقد وجد المستعمرون في العالم الإسلامي ضالتهم المنشودة، وبغية الوصول إلى مطامعهم الاستعمارية سعوا في إيجاد ظروف ملائمة تنتهي بالإسلام إلى العدم. ولم يكونوا يقصدون إلى تنصير المسلمين بعد إخراجهم من الإسلام، فهم لا يؤمنون بأي منهما، بل أرادوا السيطرة والنفوذ، لأنهم أدركوا دائماً وفي أثناء الحروب الصليبية، إن أكبر ما يمنعهم من نيل مآربهم، ويضع خططهم السياسية على شفا جرف هار هو الإسلام: بأحكامه، وعقائده، وبما يملك الناس به من إيمان. لأجل هذا تحاملوا عليه وأرادوا به كيداً. وتعاونت على ذلك أيدي المبشرين، والمستشرقين، ووسائل الإعلام، وكلها تعمل في خدمة الدول الاستعمارية، من أجل تحريف حقائق الإسلام، بشكل جعل كثيراً من الناس، والمثقفين منهم بشكل خاص، بعيدين عن الإسلام، ولا يكادون يهتدون إليه سبيلاً.
ثانيا- شبهات المستعمرين والمستشرقين حول الإسلام:
فالإسلام هو دين المجاهدين الذين يريدون الحق والعدل، دين الذين يطالبون بالحرية والاستقلال، والذين لا يريدون أن يجعلوا للكافرين على المؤمنين سبيلاً.
ولكن الأعداء أظهروا الإسلام بغير هذا المظهر. فقد رسموا له صورة مشوهة في أذهان العامة من الناس، وغرسوها حتى في المجامع العلمية، وكان هدفهم من وراء ذلك إخماد جذوته، وتضييع طابعه الثوري الحيوي، حتى لا يفكر المسلمون في السعي لتحرير أنفسهم، وتنفيذ أحكام دينهم كلها، عن طريق تأسيس حكومة تضمن لهم سعادتهم في ظل حياة إنسانية كريمة.
الشبهة الأولى: فصل الإسلام عن نظام الحكم‏
فقالوا عن الإسلام: أن لا علاقة له بتنظيم الحياة والمجتمع، أو تأسيس حكومة من أي نوع، بل هو يعنى فقط بأحكام الحيض والنفاس، وقد تكون فيه أخلاقيات، ولا يملك بعد ذلك من أمر الحياة وتنظيم المجتمع شيئاً. ومن المؤسف أن تكون لهذا كله آثاره السيئة ليس في نفوس عامة الناس فحسب، بل لدى الجامعيين، وطلبة العلوم الدينية أيضاً.
فهم يخطئون فهمه، ويجهلونه، حتى لقد عاد بينهم غريباً، كما يبدو الغرباء من الناس، وقد غدا صعباً على الداعية المسلم أن يعرِّف الناس بالإسلام، وفي مقابله يقف صف من عملاء الاستعمار، ليأخذوا عليه الآفاق عجيجاً وضجيجاً.
ولكي نميز بين واقع الإسلام، وبين ما عرفه عامة الناس عنه، أحب أن أوجه أنظاركم إلى التفاوت بين القرآن وكتب الحديث من جهة، وبين الرسائل العملية من جهة أخرى. القرآن، وكتب الحديث، وهما من أهم مصادر التشريع يمتازان عن الرسائل التي كتبها المجتهدون والفقهاء امتيازاً شديداً، لما في القرآن وكتب الحديث من الشمول لجميع جوانب الحياة. فالآيات ذات العلاقة بشؤون المجتمع تزيد اضعافاً مضاعفة عن الآيات ذات العلاقة بالعبادات خاصة. وفي أي كتاب من كتب الحديث الموسّعة لا تكاد تجد أكثر من ثلاثة أبواب، أو أربعة تعنى بتنظيم عبادات الإنسان، وعلاقاته بربه، وأبواب يسيرة أخرى تدور في الأخلاق، وما سوى ذلك فذو علاقة قوية بالاجتماع، والاقتصاد، وحقوق الإنسان، والتدبير، وسياسة المجتمعات.
أنتم الشباب جنود الإسلام. عليكم أن تتعمقوا فيما أوجزه من الحديث، وتعرّفوا الناس طوال حياتكم بأنظمة الإسلام وقوانينه، بكل وسيلة ميسورة: كتابة، وخطابة، وعملاً. علِّموا النَّاس بما أحاط بالإسلام من أول أمره من بلايا ومصائب وأعداء. لا تكتموا الناس ما تعلمون، ولا تدعوا الناس يتصورون أن الإسلام كالمسيحية الحالية، وأن لا فرق بين المسجد والكنيسة، وأن الإسلام لا يملك أكثر من تنظيم علاقة الفرد بربه. في الوقت الذي كان يسيطر فيه الظلام على بلاد الغرب، وكان الهنود الحمر يقطنون أمريكا، وكان في الإمبراطورية الرومانية والفارسية حكم مطلق يمارس فيه التسلط والتمييز العنصري، وتستخدم فيه القوة إلى مدى بعيد من غير اهتمام برأي الشعب، أو بالقانون آنذاك وضع اللَّه قوانين صدع بها النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليولد في ظلِّها الإنسان.
لكل شي‏ء آداب وقوانين. ومن قبل تكوّنِ الإنسان، وإلى حين نزوله في حفرته، وضعت له قوانين تحكمه. ورسمت العلاقات الاجتماعية، ونظمت الحكومة، إلى جانب ما رسم من وظائف العبادات. والحقوق في الإسلام ذات مستوى عال، ومتكامل، وشامل. وكثيراً ما اقتبس الحقوقيون من أحكام الإسلام وأنظمته، في معاملاته، وحدوده، وقصاصه، وقضائه، وتنظيمه العلاقات بين الدول والشعوب، وقواعد الحرب والسلم، وحقوق الناس. وهكذا يكون الإسلام قد عالج كل موضوع في الحياة، وأعطى فيه حكمه. ولكن الأجانب وسوسوا في صدور الناس والمثقفين منهم خاصة: «إن الإسلام لا يملك شيئاً، الإسلام مجموعة أحكام الحيض والنفاس. طلبة العلوم الدينية لا يتجاوزون في تخصصهم هذه الموضوعات». صحيح أن بعض الطلبة لا يهتم بأكثر من هذا، وهم مقصِّرون، وفي هذا ما يُعين الأعداء أحياناً على نيل مقاصدهم. وفي هذا ما يدعو إلى ابتهاج المستعمرين الذين عملوا منذ مئات السنين على غرس بذور الاهمال في مجامعنا العلمية، وصولاً إلى أهدافهم فينا، وفي ثرواتنا وخيرات بلادنا.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.