رواية زوربا اليوناني.. أفكار و رؤى جديرة بالقراءة

عبد الجبار نوري

زوربا اليوناني ZORBA THE GREEK مؤلف الرواية (نيكوس كازانتزأكيس) كاتب وفيلسوف يوناني (3881 ـ 7591) درس القانون في جامعة أثينا، ودرس الفلسفة في فرنسا، و رشح لجائزة نوبل للآداب 6491 ولم يحصل عليها، واشتهر عالمياً بتأليفه رواية زوربا اليوناني 4691، تدور أحداثها عن قصة رجل مثقف اسمهُ ( باسيل ) ـ يسميه زوربا بالرئيس ـ غارق في قراءة الكتب يلتقي مصادفة برجلٍ أمي مدرستهُ الوحيدة هي الحياة ومحصلته تجاربهُ الحياتية وهو بطل الرواية «زوربا»، سرعان ما تنشأ صداقة بين الرجلين، ويتعلم فيها المثقف باسيل الذي ورث مالا عن أبيه، وتعلم الكثير من زوربا عن الحياة وحبها وفنونها وهناتها وسقطاتها وطرق معايشتها، وكان لا بد أن تخرج طبعتها الأولى في السنة نفسها بنفوذ أدبي في منتجاتها: السينما والموسيقا والترجمة، وتحولت في الستينات الى فيلم من اخراج اليوناني مايكل كوكويانيس الذي جسّد فيه الممثل الأمريكي أنطوني كوين دور زوربا مع الممثلة الانكليزية الحسناء أيريد باباس، كما جعل من الموسيقي اليوناني سيكيس ثيودور أن يقدم تصويراً من الموسيقا التي عزفها زوربا بآلة السنتوري في الرواية.
وقد لا أبالغ إن قلتُ: إن الرقصة وموسيقاها تحولت الى فلوكلور عالمي والى نشيد أممي بأعظم ما للموضوع من معنى. وقد لاحظتُ هذا الشغف بهذه الرقصة وموسيقاها وشخصها زوربا اليوناني في نيقوسيا عاصمة قبرص في آخر سفرة سياحية لي في صيف 1981. والذي ترسخ في ذهني أن الشعب القبرصي المتكون من أتراك وقبارصة يونانيين قد «توحدوا» في مسألتين الأولى رقصة زوربا والثانية الريع السياحي، وأنهم يتعاملون مع الرواية بهوس، حيث تجد الشباب والشابات يمارسون رقصة زوربا في الحدائق والساحات وحتى الشوارع وترى كتاب الرواية بيد رواد المقاهي والقطارات والباصات، حتى جعلني أقتني نسخة من الرواية باللغة الأنكليزية. والعجيب يسألك صاحب المكتبة بأي لغة تريدها: انكليزية أم فرنسية أم ألمانية أم ايطالية أم اسبانية؟
ـ تثير الرواية حب الحياة والتمتع بها لآخر لحظة من تلك الحياة وهو هدف طالبي السلم العالمي وكارهي الحروب للوصول الى الحياة الفاضلة والمرفهة، عكس تجار الحروب والمتشددين في الأديان والمتخندقين أثنياً وطائفياً الذين يتلذذون بأحراق مباهج الحياة للفوز الموهوم في الملذات الغيبية.
ـ تبعث الرواية للإلتزام بمدرسة الحياة التي تعلم ما بين سطورها كل ما يليق به كانسان محترم صاحب حكمة وفلسفة انسانية ملتزمة بالقواعد والمثل والقيم الاجتماعية.
ـ تُعلمْ الرواية تقديس الكرامة في فصلٍ من الرواية حين تعرض زوربا الى خدش كرامته من غانية في صالة الرقص فثارت حميته (وتبرمك) برأسمال المشروع لرد عدّه بعد تجاوز تلك الغانية على رجولته، فأرسل برقية الى صديقه الرئيس فحواها (انه دافع عن كل الرجولة في العالم).
ـ في الرواية شجاعة نادرة في تقديس الحرية عندما يوصي زوربا الكتابة على قبره (لا آمل في شيء، لا أخشى شيئاً، أنا حر).
ـ ويعلن زوربا في الرواية عن رأيهِ في ماهية وصيرورة الحياة، وهي: أفراح هذا العالم في (النساء والفواكه والأفكار)، وتكتشف بين سطور الرواية وعوالمها يجب عليك أن تنتصر للحرية وحب المرأة والوطن.
ـ يصف الروائي نيكوس زوربا: أدركت أن زوربا هو هذا الانسان الذي كنت زمناً طويلاً أبحث عنه ولم أعثرعليه، انه قلبٌ فائض بالحياة وحنجرة دافئة ونفس عظيمة بريئة على طبيعتها، لم ينقطع الحبل السري بعد بينها وبين أمها الارض.
ـ ومن بساطة شخصية زوربا يطرح في الرواية أسئلة محرجة قابلة للجدل ربما محاطة بفوبيا الرد المقابل، وهي معاكسة للأشخاص الذين يجهلون قواعد اللعبة الديمقراطية، وهي: لماذا نموت؟ لماذا نفترق؟ لماذا يقتل الناس بعضهم؟ ما الشيطان؟ من الله؟
ـ ومن حيثيات الرواية انتصاره للسلم وشجبه وانتقاده للحرب اليابانية ـ الصينية، وقوله في الرواية أن الفن أداة لكشف الحقيقة بعيداً عن الجماليات البورجوازية، و ربما باعتقادي الشخصي قد تأثر نيكوس الكاتب بفلسفة نيتشه الألماني.
ـ زوربا والذي أنطقه نيكوس كاتب الرواية مؤمن بالانسان والحياة. الكثير من أقوال زوربا يتداولها الناس حيث تجاوزت هذه الشخصية حدود اللغة والحكاية لتكون عابرة للزمكنة. في أحد حواراته مع الرئيس حين لم يتمكن عن التعبير عن فكرته واحساسه يقول زوربا لصاحبه: سأرقصها لك.
ـ أخيراً، رواية زوربا هي دعوة للحياة بشكلٍ مغاير، وهي دعوة للحب الصوفي، ذلك الحب العميق والخاضع للتجربة والعاري، وهي «ثيمة» للرواية الرئيسة، حيث يتوزع بين الجغرافية بدون حدود وهو ما رفع الرواية الى ايقونة انسانية خالدة. وهي دعوة أيضا للتفكير ودعوة لحب التراب والوطن والسماء وتلك هي قيم الرواية الخالدة التي تقيّم الأنسان وتدعو الى الاهتمام ببيئته وبخبزه وسقفه الذي يحميه، لا كما نرى الانسان اليوم يطحن بأزيز الآلات ويسحق بماكنات الحروب بعجلة غيلان النفط والدم والملايين المشردة النازحة من جور الارهاب الداعشي المتطرف تحت خيمة الوطن المهلهلة. ولتفادي هذه الغيمة السوداء نجد في حكاية زوربا اليوناني وفي أفكار ما بين السطور أن الرواية جمعت هذين الشخصين المتناقضين فكريا وعقائديا وسلوكيا وهي علاقة وشيجة علاقة تكاملية، فكل منهما رأى نصفــــــه المفقود في الآخر لكونها علاقة نقية خالصة من شوائب النفعية والمصلحية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.