Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

مــــرافــئ فـــي ذاكـــرة يحيـــى السمـــاوي

لطيف عبد سالم

16

مِنْ المعلومِ أنَّ دورَ المعلم قد تأثر بطبيعةِ التحولات البنيوية الَّتِي شهدها مُجْتَمَعنا عَلَى مدى العقود الماضية، حيث كان قديماً ينظرُ إلى المعلمِ بوصفِه مصدر المعرفة الأساس الَّذِي بوسعه توصيل المعلومات لتلاميذه، ما أفضى إلى إلزامِه بأنْ يتسلحَ بما تقتضي هَذه المهمة مِنْ موجباتٍ تتعلق بقدراته ومعلوماته فِي المجالاتِ العِلْميَّة وَالأدبية وَالتَّاريخِيَّة؛ إذ أنَّ الأخلالَ بتلك المتطلبات مِنْ شأنِه المُسَاهَمَة فِي تدهورِ مخرجات عَمَليَّةِ التَّعْلِيم وَ التّعلّم، وَعدم توافقها مَعَ دورِ المَدْرَسة الَّذِي كان ينحى بشكلٍ رئيس صوب تحقيق الكفاية التَّعْلِيميَّة وَالمعرفية وَنقل التراث للأجيالِ الجديدة. وَلَعَلَّنَا لا نبعد عَنْ الصَوَابِ إذا قُلْنَا إنَّ الرعيل الأول مِن المعلمين فِي بلادِنا كان عَلَى درايةٍ وَمعرفة كبيرتين بمختلفِ أساليب التَّعْلِيم الضامنة لإرساءِ موجبات الضبط والنظام فِي الصفِ الدراسي، وَالَّتِي بمقدورِها تعزيز عملية الجهد والمثابرة والانتباه، عَلَى الرغمِ مِنْ أنَّ تحصيلَهم الدراسي لَمْ يكن يتعدى فِي بعضِ تلك المراحل التَّاريخِيَّة الصف السادس الإبتدائي، مَا يعني جودة مستوى التَّعْلِيم حينئذ وَسمو شخصية المعلم إلى درجةِ التأثير فِي سلوكياتِ تلامذته وَإثارة مَا بوسعِه المُسَاهَمَة فِي تطويرِ شخصياتهم بما يؤدي إلى جعلِهم قادرين عَلَى التوافقِ الاجْتِمَاعِيّ؛ إذ لِمْ يكن ضعف الإمكانيات التقنية وَالمادية يومذاك عامل إعاقة لإدارتي التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ بالمقارنةِ مَعَ ما نشهده محلياً مِنْ تراجعٍ كبير بمخرجاتِهما فِي عالمِ اليوم، وَالَّذِي أهم مَا يميزه هو التطور المتنامي عَلَى صعدِ الحياة كافة بفضلِ مَا توصل إليه العلم مِنْ ابتكاراتٍ وَأساليب كرست جميعها لخدمةِ الإنْسَان وَاحترام إنسانيَّته، وَلَعَلَّنا لا نبعد عَنْ الواقعِ أو نبالغ إذا قُلْنَا إنَّ ال الْمُجْتَمَعات المتحضرة جهدت فِي توظيفِ التَقدم التِقْنِيّ المتسارع بمهمةِ تَطْوِير قِطاع التَّعْلِيم؛ إذ تمكنت إداراتها مِنْ تكييفِ طرائق التَّعْلِيم وَتطويعها بِمَا يفضي إلى اعدادِ النشء الجديد بالاستنادِ لمناهجٍ وأساليبٍ عصرية تجعله مؤهلاً لأنْ يكون جيلاً ناجحاً فِي إفادةِ نفسه وَشعبه وَ وطنه. وَليس خافياً أنَّ شخصيةَ المعلم وَمَا يتمتع بِه صفاتٍ تجعله أكثر قدرة عَلَى احداثِ تغيرات في سلوكياتِ تلامذته وتزيد مِنْ إثارةِ محركات الوعي بأهميةِ دورهم فِي بناء البلاد وقيادة مفاصلها الإدارية وَالفنية، غَيْرَ أَنَّ كُلّ مَا تقدم ذكره تتلاشى آثاره أمام أول « كَوامة عشائرية « يتعرض لها المعلم فِي واحدةٍ مِنْ مدارسِ العراق، فضلاً عَنْ التأثيرِ الكبير الَّذِي تحدثه تلك الفعالية وَغيرها عَلَى تكامل نُمُوّ التلاميذ.
أَمْرٌ شَدِيدُ الأَهَمِّيَّةِ أنَّ السَماويَّ يحيى أحب دراسته فِي المرحلةِ المتوسطة وَشغف بِهَا لأسبابٍ لا علاقة لها بتحقيقِ حلم وَالديه فِي الدخولِ إلى دارِ المعلمين، إنما لأنَّ المدرسةَ المتوسطة تحتوي مكتبة كان يراها كبيرة وقتذاك، بالإضافةِ إلى أنَّ الطريقَ إليها مِنْ بيتِه يقتضي عبور الجسر الحديدي وَالسير بمحاذاةِ النهر، وَهو الطريق ذاته الَّذِي تسلكه الطالبات الجميلات فِي ذهابهن إلى متوسطةِ السَماوة للبنات وإيابهن منها؛ إذ أنَّ موقعَ متوسطة السَماوة للبنين كان فِي الصوبِ الصغير، فِيما تقع متوسطة السَماوة للبناتِ فِي الصوبِ الكبير، وَالقاسم المشترك بينهما هو الجسر وَالشارع.
***
لا تسـأليني مَنْ أنا
فإنني أجهلُ مَنْ أكونْ
كلّ الذي أعرفه عني
أنا مدينة الحكمةِ
لكنَّ الذي يدخلها
لا بدّ أنْ يُصاب بالجنونْ
***
لَيسَ بالأمرِ المفاجئ أنْ تكون حكايات الوالد – رحمه الله – فِي أيامِ طفولة يحيى السَماويّ المصدر الأساس لبداياتِ تفتح ينابيع موهبته الشعريّة، حيث أَنَّ مألوفيةَ الأماسيَ العائلية فِي لَياليِّ الشتاء الَّتِي شهدها بيتِهم الطيني القريب مِنْ نهرِ الفرات، كانت تشكل طقساً رتيباً طافحاً بالحكايا الَّتِي كثر مَا تخللها الشعر، وَالَّذِي كان السَماويّ يحيى يفهم قليله ويجهل كثيره حينئذ، بَيْدَ أنَّه سرعان مَا وجد نفسه بعد ذلك وكأنه يشرع فِي الخوضِ بغمارِ تجربته الأدبية حين بدأ يقرأ مَا استطاع مِنْ ديوانِ المتنبي وَالمعلقات، فضلاً عَنْ بضعةِ كتبٍ أخرى – مِنْ بَيْنَها كتاب نهج البلاغة – لا يتعدى عديدها أصابع يده، وَأَدْهَى مِنْ ذلك شغفه بتقليدِ ما يقرأ مِنْ أبياتٍ ساذجة، وَالَّتِي كان الده – طيب الله ثراه – يبالغ فِي مدحِها، حتى حدث الإنقلاب الكبير فِي حياتِه عندما طلب مدرس اللغة العربية الأستاذ شمخي جبر من طلابِه – فِي الصفِ الثاني متوسط – كتابة موضوع فِي درسِ الإنشاء والتعبير عَنْ بيتِ النابغة الذبياني :
لا مرحبــــــا بغدٍ ولا أهلاً به
إنْ كان تفريقُ الأحبة في غدِ
الْمُلْفِتُ أَنَّ السَماويَ يحيى، ألزمه الواجب البيتي المذكور آنفاً قضاء الليل مَعَ أكثرِ مِنْ ورقةٍ بيضاء محاولاً نسج بضعة أبيات عَلَى نسقِ بيت النابغة الذبياني، حتى إذا غفت آخر نجمة وبدأت الشمس تفرك أجفانها، كان قد كتب ثمانية أو تسعة أبيات، وَالَّتِي فرضت عَلَى مدرسِه التصفيق له حين قرأها فِي الصف، بالإضافةِ إلى منحِه درجة كاملة، وَالمذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ مدرسهُ لَمْ يكتفِ بذلك، حيث طلب منه قراءتها خلال الإستراحة فِي غرفةِ المدرسين، وَمِنْ ثم أهداؤه فِي اليومِ التالي كتاب النظرات للمنفلوطي وَ ديوان معروف الرصافي. وَالمثيرُ للاهتمامِ أَنَّ السَماويَّ فوجئ بعد مضيّ بضعة أيام بتصدرِ أبياته – عَلَى الرغمِ مِنْ سذاجتِها – النشرة الجدارية الَّتِي يشرفُ عَلَى تحريرِها طلاب الصف الخامس الثانوي الَّذين كانوا عَلَى أعتابِ مرحلة الدراسة الجامعية.
***
يا سادتي الولاةُ في مدائنِ الأحزانْ
جميعكم أحصنةٌ
لا تملك الأمرَ على لجامها
فكيف للشعوبِ أن تقيمَ مهرجانها
حين يقودُ ركبَها حصانْ
يركبه المحتلُّ والآفكُ
والمنبوذُ والجبانْ ؟
***
أخمرةٌ صوفيةٌ
عَـتَّقها في ثغركِ العشقُ
يرى شاربُها الفردوسَ في دنياهْ ؟
أسكرني حين رشفتُ القبلةَ الأولى
فجُنَّتْ شفتي
وأدمنتْ أوردتي طِلاهْ
فكيف لا يسكرُ هذا الثغرُ
من شذاهْ ؟
***
لا يخفى عَلَى كُلَّ متلقٍ إنْ كان ناقداً أو شاعراً أو فارساً فِي أحدِ ضروب الأدب الأخرى أَنَّ الجهودَ الكبيرة الَّتِي كان السَماوي يبذلها فِي بداية رحلته الأدبية، تعكس بما لا يقبل الشك قوة إرادته الَّتِي أثمرت عَنْ ولادةِ تجربة شعرية متميزة بأدواتِها، وَمعبرة فِي الوقت ذاته عَنْ صورةٍ ناصعة للإبداعِ العراقي المتجدد الَّذي تمتد جذوره فِي أعمَاقِ مَا قبل التاريخ ممثلة بعراقةِ حضارة مَا بَيْنَ النهرين، دجلة والفرات. وَفِي هَذَا السياق يؤكد الباحث وَالشاعر العراقي غزوان علي ناصر عَلَى أهميةِ التجربة الشعرية للشاعرِ الكبير يحيى السَماوي، بوصفِها تجربة مهمة تثير الدهشة والإعجاب لدى المتلقي وَتستحق أنْ يقفَ عندها النقاد وَدارسوا الأدب؛ إذ لا شكَ أَنَّ هَذه التجربة الشعرية الثرة تقف خلفها ثقافة واسعة وَرصينة، عمقتها قسوة المعاناة وَمرارة الغربة وَالحرمان وَالعواطف الجياشة وَمشاعره المرهفة وَاشياء أخرى كثيرة قد يطول الكلام فِي شرحِها، وَلكن عَلَى سبيلِ الإختصار يمكن القول إنَّ القارئَ لشعرِ يحيى السَماوي يدرك مِنْ أولِ وهلةٍ أَّنَّها تجربة إبداعية متميزة عَنْ غيرِها مِن التجاربِ الشعرية لِمَا تمتاز بِه عَلَى المستوياتِ كافة بِقيمتِها الفنية العالية وَمضامينها الرائقة وَصورها الجميلة الخصبة وَ رهافة موسيقاها وَلغتها الوارفة وَفورانها العاطفي وَاتساع رؤيتها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.