النقد العربي تحت الطلب ومبني على «الشِّلليّة» والإعلام الـمُزيَّف الناقد الجزائري د. جـمال غلاب: نقاد في جائزة البوكر لا يعرفون مرجعية الرواية وعناصر السرد الثمانية

المراقب العراقي/ جـمال بوزيان

ضيف اليوم ناقد يَنهل من مَشارب ملوَّنة؛اسمه في اسم مَدرسته؛ ناقد يُغلِّب كُلّ ما هو جـميل؛ ناقد أدبيّ يَسعى إلى كُلّ ما هو نبيل؛ يدافع عن آرائه بهدوء؛ ولا يتعصّب لها؛ يدعو إلى تعايش الثّقافات… سألتُه عنِ الـمَدارس النّقديّة؛ والفَرق بيْن النّقد الأدبيّ الغربيّ والنّقد الأدبيّ العربيّ؛ وعن معايير النّقد الأدبيّ أ هي عِلميّة أَمْ فنّيّة؟ والـمَدرسة النّقديّة الّتي يَنتمي لها؛ وسبب الاختلاف بيْن أنصار الـحداثة ومعارضيها؛ وعن كتاباته؛ وأسئلة أخرى. أَستضيف اليوم عبْر منبر (الـمُراقب العراقيّ) النّاقد الدّكتور جـمال غلّاب؛
إليكم حواري الصّحفيّ معه… قراءة ماتعة نافعة:

 

* مرحبًا بالأستاذ جـمال غلّاب.
ـ كُلُّ الشكر لكَ صديقي، ولـمنبر (الـمُراقب العراقيّ). أرجو أن يخدم (الـمُراقب العراقيّ) شرف الكلمة، ونبل المعنى، ويشارك في سد فراغ رهيب في مجال الإبداع والفكر والثقافة.
* نبذة عن جـمال غلّاب.
ـ كأي جزائري، من أُسرة مُحافِظة؛ درَستُ في جميع أطوار التعليم؛ أهم الشهادات التي حزتها شهادة دار المعلمين من معهد الفارابي بالمدية، وشهادة مهندس تطبيقي في البِناء والأشغال العمومية، وشهادة الليسانس في القانون، وفي التسعينيات أسستُ نقابة وطنية للأساتذة ثم صرتُ بها أمينا وطنيّا مُكلَّفًا بالإعلام، وأسستُ بهذا التنظيم مجلة شهرية، وكنتُ رئيس تحريرها. اشتغلتُ صحفيًّا في الـخبر والشروق.
أصدرتُ عدة مؤلَّفات: 1. مقاربات في جماليات النص الجزائري. 2. مقاربات في النص الأجنبي. 3. بحث طويل حول ميخائيل سرفانتس كاتب رائعة «دون كيشوت»، وترجـمت كل أعمال إيزابيل ابرهاردت، وآخر عمل لي هو كتابة سيناريو حول تاريخ قلعة بني حـماد.
* لِمن قرأتَ منَ الأدباء والنّقّاد؟
ـ من حسن حظي أنني أقرأ باللغتين العربية والفرنسية، لذلك اقتفيت آثار الكثير منَ الكُتّاب العالميين، لذلك أقول دائما: أنا نصفي القرآن الكريم والسيرة النبوية وكُتّاب الـمَهجر وجرجي زيدان وطه حسين وابن باديس وحافظ إبراهيم ومحمد البشير الإبراهيمي.. إلخ، ونصفي الثاني ماركس ولينين وجون بول سارتر وكامي وسيمون بوفوار وغارسيا غابريال ومحمد ديب ومحمد أركون.. إلخ. لا يُمْكنني أن أتخلَّى عن نصفي أو أجعل أحد النِّصفيْن يَـطـغَى على الآخر.
* هلْ معايير النّقد الأدبيّ الغربيّ تختلف عنها في النّقد الأدبيّ العربيّ؟
ـ أرجو أن لا أكون قاسيا في حُكمي، إن قلتُ: نحن أُمّة لا تَقبل النقد، وإنِ اشتغلتْ عليه فاشتغالها يقتصر على الجانب اللغوي، وجماليات اللفظ، والعبارة.. هذا يُعَدّ كبحا للعملية النقدية، لذلك العملية النقدية بقيتْ مركونة في الرف منذ مئات السنين، وما ذكرته يكون عبد الرحـمان بن خلدون لخصه في الجملة الآتية «رافق أو نافق أو فارق».. السائد عندنا وعند الشرفاء هو الفِراق، أما عند الغرب فقد لخصوا الإبداع في المعايير الآتية «الأدب موهبة والنقد حس والذوق يُكتسَب عن طريق الـمِراس».. لذلك أستغرب من البعض من يلقبون أنفسهم بالشاعر الآكاديمي أو الشاعر العصامي!
السؤال الذي يطرح نفسه: ما علاقة التسمية الآكاديمية أو العصامية في الموهبة الأدبية؟ وبخصوص العملية النقدية وهي تعتمد على الحس إضافة للثقافة الواسعة التي يحوزها الناقد، وهُنا لا بد من الرجوع إلى «نظرية جماليات التلقي» التي يتزعمها «أوس» حيث يركز في قراءة النص في مختلف الأجناس الأدبية على الثالوث «الكاتب والنص والـمُتلقِّي»، أصحاب هذه النظرية يركزون على معرفة السيرة الذاتية للمبدع، حسب رأيهم هناك تداخل بين النص وكاتبه، ولا يُفهَم النص إلا من خلال معرفة شخصية الكاتب وهُنا يتدخل الناقد لـمُطارَدة كل ما هو جـميل داخل النص لإيضاحه للمتلقي العادي أي القارئ لترقية الذوق، وهُنا يحضرني مَثل من القرن التاسع عشر بطله الكاتب النرويجي «هنريك ابسن» عند ما كَتب قصيدة «بريجنت» التي كانت تحث على مواكبة النهضة الأوروبية، وجاء الألمان وأخرجوها في عرض مسرحي، ومِثل هذا الفعل دفع هنري ابسن إلى السفر لمشاهدة العرض، وفي النهاية خرج مندهشا لأن الألمان أبدعوا في قراءتها وخرجوا بـمثل وأفكار لَم تخطر حتى على الكاتب نفسه! وجاء بعده رولان بارث وقتل الكاتب قائلا: اللذة وكل اللذة في النص، وجاء بعدهم الشكلانيون وأضافوا للثالث عنصرا آخر «الكاتب والنص والمتلقي والمكتبات».
* هلْ للنّقد الأدبيّ معايير عِلميّة أَمْ فنّيّة؟
ـ إذا عددنا أن الأدب موهبة، علينا أن ننتصر للقائلين بأن الأدب يخضع إلى المعايير الفنية، وهُنا أفتح قوسا لأوضح «الـمُبدع الموهوب في الأدب قبل كتابة نصه أو نفثه تجد الأديب الموهوب يلتقط صورا من الحياة العامة، وعند ما تتخمر هذه الصور في ذهنه، وتنضج ينفثها في جنس من الأجناس الأدبية «قصيدة شِعر، قصة، رواية، خاطرة.. إلخ». ومنه يُمْكننا طرح السؤال الآتي: أين المعايير العِلمية هُنا؟
* لأيّ مَدرسة تَنتمي بصفتكَ ناقدا؟
ـ أنا شخصيا أهتم بالرواء الأدبي، بمعنى أدق أنا أرفض أن يُحمَّل النص الأدبي شبكة من المصطلحات والرموز، لذلك ـ منذ البدء ـ انتميتُ لِلمدرسة الألمانية «جـماليات التّلقِّي» التي من خصائصها مُطارَدة كل ما هو جـميل في النص الأدبي من أجل ترقية الذوق، التي من شروطها الثقافة الواسعة، وبُعد النظر، لأنها في النهاية تحيلنا إلى إنتاج نص جديد، ومع «حدث لـهنريك ابسن» أنـموذجًا.
* ما الـمقصود بالأدب القديم؟
ـ شخصيا لا أقتنع بهذا التصنيف لأن الأدب ليس بالثابت، بل على الدوام يخضع لمتغيرات الواقع، لذلك النقاد الغربيون في إجماعهم أجمعوا أن الأدب يخضع للبيئة، وما يحيط بالبيئة، واصطلحوا على تسمية ما سلف ذِكره المذاهب الجمالية «المذهب الكلاسيكي، المذهب الطبيعي، المذهب الواقعي، المذهب الرمزي، المذهب السريالي، المذهب الصوفي، المذهب العبثي».. لكل مَذهب من هذه المذاهب لذته ومتعته.
* ما مفهوم الـحداثة في الأدب والنّقد؟
ـ يقال بالمثال يتضح المقال، مرة كنت في إحدى مقاهي طنجة، وحينذاك تَحلَّق الكثير من المبدعين المغاربة حول محمد أركون ـ يرحمه الله ـ، وطُرِح سؤال من الحضور حول السلفية والحداثة، أجاب أركون: «أنا سلفي»، وفسر مقولته كالتالي: «الرسول محمد (ص) جدد في عهده، وكان حداثيا لعصره، و وفق ما توفر من إمكانات التطور».
إذن، أنا على نهجه، أي أَقبل التطور والعصرنة ومواكبة كل ما هو متغير محليا وعالميا، وأعود إلى سؤالك لأوضح أكثر المنهج السيميائي أو ما يسمى «نظرية المحاكاة» عند أفلاطون، هذه الأخيرة تمقت التحجر وتعمل على البحث في كل ما هو أحسن وأجمل، وبهذه النظرية تطور الأدب وعِلم الاجتماع والطب.. إلخ. لذلك أنا أُفضِّل التوصيف التالي «الإنسان ابن عصره ومتطلباته».
* ألا تَرى ازدياد شدّة الصّراع بعْد ظهور مَذهب الـحداثة الأدبيّ والنّقديّ؟
ـ في حدود تقديري صراع مجاني، لا طائل من ورائه، الدليل هو تحوّل «النص النقدي» حاليا إلى نص ميكانيكي «التناص، والسيميائية، والشكلانية… إلخ. لذلك علينا أن نتفق دائما على أن الأدب موهبة والنقد حس والذوق يُكتسَب عن طريق الـمِراس.
* هلِ الاختلاف بيْن أنصار الـحداثة ومعارضيها عِلميّ أَمْ فكريّ؟
ـ سبق أن قلتُ: إن الأدب هو مجرد صور ومَشاهِد تُنقَل من الواقع لتكتـنـزها الذاكرة، وعند ما ينفثها المبدع الأديب في مختلف الأجناس الأدبية، المتلقي هو من يحدد حيز زمانها في الماضي، كان الـجَمل والفرس، واليوم صارتِ الطائرة والسيارة والقطار والرقمنة، ومن هنا يتم تحديد ما هو ماضوي، وما هو حداثي.
* كيْف السّبيل لفكّ اشتباكات الـمَذاهب الأدبيّة والنّقديّة؟ لماذا لا يُراد حياة للاختلاف «»قلِّدني أو لا تَكنْ»؟
ـ دعنا نتفق أن المذاهب الأدبية تكمن في الكلاسيكية والرومانسية والطبيعية والواقعية والرمزية والسريالية والصوفية والعبثية والسحرية والمناهج النقدية هي التناص والتشكيلية والتفكيكية والسيميائية وجـمالية التلقي والانطباعية.. إلخ. لكل مَذهب ومنهج نقدي مفاتيح قراءته لفهم معنى النص، وما يخفيه، لذلك لا يحق لنا أن نقول: «الاختلاف، بلْ علينا أن نقول التوظيف».
* مَن أنصار الـحداثة الـمُنصِفون لِمُخالفيهم؟
ـ في حدود فهمي المتواضع هناك سوء تقدير لفهم الـحداثة، كما يقول المثل الشعبي الجزائري «الجديد حبو والقديم لا تفرط فيه»، يُمْكن اختصار العِبارة «هناك ثابت ومتغير»، ومن هنا أفهم ما هو ماضوي وما هو حداثي.
* يشكو كثير من كُتّاب القصّة والرواية والشِّعر انتفاء نُقّاد أدبيّين وإنْ وُجدوا يظهر نقد الـمُجاملات والـمُحاباة في العالَم العربيّ؟ وهلْ يَلتزمِ الكُتّاب بإرشادات النُّقّاد؟
ـ أتفهّم شكاوى الكثير منَ المبدعين منْ ظلم بعض النقاد؟ النقد عندنا تحت الطلب ومبني على «الشللية» والإعلام الـمُزيَّف، «وأما الزبد فيذهب جفاءً».
من هُنا أقول لكل المبدعين والمكتوين بحرقة الحرف أن يكتبوا ويكتبوا ولن يتوقفوا عن الكتابة ولا ينتظروا الإنصاف يأتيهم من جيلهم بل سوف تنصف كتابتهم من الجيل القادم، وهنا لا بد من الإشارة إلى عيِّنة عبد الرحـمان الـجيلالي، لا أحد عرفه بأنه أديب وفنان بلْ عرفه الجزائريون بعد خمسين سنة مفتيًا، وفقط ومن هنا يتم القياس.
* ما رأيكَ عموما في معايير الدّوريّات الـمُحكِّمة والـجوائز الأدبيّة في العالَم العربيّ؟
ـ الدوريات الـمُحكِّمة وتبعًا لما اطلعتُ عليه جلها في المستوى وتخدم الإنجاز الأكاديمي، أما الـجوائز الأدبية فتخضع للجهوية، والأمور السياسوية، خذ مثلا جائزة بوكر للرواية، اللجنة التي بها من النقاد لا يعرفون مرجعية الرواية ولا عناصر السرد الثمانية الـمُشكِّلة للرواية، ويُصدِرون أحكامهم في مثل هذا الجنس الأدبي؟ أيعقل هذا؟!
* بوصفة منكَ؛ متى تَنشُط الـحركة الأدبيّة والنّقديّة في العالَم العربيّ؟
ـ فاقد الشيء لا يعطيه، الذين في الصدارة لا علاقة لهم بالإبداع، ما أتمناه أن تعود النخب الأدبية إلى الواجهة، ومن هُنا تَنشُط الحركة الأدبية، وتزول الرداءة.
* هلْ تَرى وفرة في كُتب النّقد الأدبيّ؟
ـ ما هو متوفر من مَراجِع في كُتب النقد يفي بالغرض المطلوب، وهناك نهضة جاءت بها الرقمنة، حيث صارت هناك مواقع لتعبئة الكتب، وبخصوص ما قدمتُه من أعمال هو مجرد قراءات انطباعية عن إصدارات، كما أشرتُ، صدر لي المؤلَّف الأول عن اتحاد الكُتّاب الجزائريين عام 2002 م عنوانه «مقاربات في جماليات النص الجزائري»، والمؤلَّف الثاني بعنوان «مقاربات في جماليات النص الأجنبي».
* هلْ يُمْكن معرفة أبحاثكم؟
ـ بخصوص الأبحاث فقد ركزت على الرحالة، حيث صدر لي مؤلَّف عن «ميخائيل سرفانتس»، والمؤلَّف الثاني فظلتُ نشره في شكل كِتاب إلكتروني، هو حاليا في أكبر موقع عالمي، عنوانه «الأعمال الكاملة لإيزابيل ابرهاردت».
* هلْ كتبتَ خارج النّقد؟ اختر لقرّاء «الـمُراقب العراقيّ» بعضا من كتاباتكَ؟
ـ عندي مجموعة نصوص نثرية، هي مخطوط وهذه بعض النماذج:
فضيحة الصمت
البوح لتبديد الصمت أنــــا
لتقليص المسافات أنـــــــا
لإزالة اللواعج أنــــــــــــا
*****
بوح وميضه يضيء أعماق الظلام
صداه يجسد في صدره ترديد الاتصال
اللسان الناطق بحبك المخبأ في السرائر
الوعد الجامع بدون ضوابط
*****
بوح الصمت المنادي أنــــــــــا
لا أحد يعطلني على مواكبة سمر ليلك
*****
أوضح بوح للروح أنــــا
غرس الحب في كل اللفظ
البوح المبلبل للغناء بصوت خافت
الأنين و البكاء في قبضة الزلازل
أستمع إلى قلبي
*****
بطيء هذا المساء الأزرق
ابتسامتك تغطي حياتي
سنون عائدة بدون توقف
عائدة إلى سذاجة
*****
لكل بسمة تجاوبت مع الضوء
المضيئة للزوايا المظلمة بروحي
روحي، الـمنطفئة، الـحزينة، الـمكفهرة
لوضع نهاية لظلامي… بقدوم الشمس
*****
دموعي البكمـــــــــــــــاء ماضيـة
من كل تأوه يتخمر متحررا
تقطير الألم من الماضي وإلى غير رجعة
مناديا من أعماق القلب
من ألف لون
وأخيرا طارت الفرشات.
* ما آخر كِتاب قرأتَه أو تَقرأه حاليًا؟
ـ حاليًا أنا بصدد قراءة كِتاب «النقد الأدبي الحديث» للدكتور محمد غنيمي هلال.
* ما اهتماماتكَ الأُخرى؟
ـ كتبتُ أخيرًا سيناريو بعنوان «الـمرأة التي هزمتْ حـمّاد بن بلكين»، وسلَّمتُه إلى التلفزة الوطنية، أنتظر التصوير.
* سعيدٌ بكَ اليومَ؛ كرمًا لا أمرًا اختمِ الـحوار.
* ما أتمناه لكَ أستاذ جـمال هو التّوفيق؛ وأن يبقى منبر (الـمُراقب العراقيّ) منارة نستنير بها ويستنير بها كل المبدعين.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.