إجعل طائر الخيال في قبضتك

لا يُمكن لنا إزالة قوّة الخيال لأنّها قوّةٌ طبيعيةٌ ولازمةٌ للإنسان، ولكنّها كسائر القوى الإنسانية قابلةٌ للتربية والترويض والتهذيب لذا يُمكن للإنسان السيطرة على خياله حتى لا يُشكِّل عائقاً ومانعاً من حضور القلب في أوقات العبادة . ولتهذيب قوّة الخيال ينبغي اتباع مبدأ العمل بالخلاف. وتطبيق هذا المبدأ في الصلاة يقتضي:
أولاً: أن يهدف المصلّي إلى حفظ خياله أثناء الصلاة والسيطرة عليه.
ثانياً: أن يبقى ملتفتاً إلى حال خياله في جميع حركات الصلاة وسكناتها وأذكارها وأعمالها، ويترصّده وبمجرّد أن يلحظ تحرّكاً لخياله خارج أذكار الصلاة ومعانيها يردّه إلى الصلاة. ثالثاً: أن يُدرك أنّ السيطرة على الخيال لن تتمّ بتدريبٍ واحدٍ بل يلزم المواظبة, كما عليه أن لا يتوقّع أن يتمكّن في بداية الأمر من حفظ خياله تماماً في كامل الصلاة وأنّه سيُحقّق هذا الهدف بالتدريج، فيُمكن أنْ يحفظه أولاً في عُشر الصلاة مثلاً ثم تزداد هذه النسبة شيئاً فشيئاً حتى يحفظه فيها كاملةً آخر المطاف.
رابعاً: ينبغي للإنسان أن لا ييأس في كلّ أحواله، فإنّ اليأس هو منبع كلّ ضعفٍ و وهنٍ ومكمن للشيطان والوهم. بل عليه أن يجعل كلّ اعتماده على الله عزّ و جلّ، وأن يرفع يده تماماً أثناء مجاهدته وسلوكه عن الاعتماد على نفسه، ويتوجّه إلى مسبّب الأسباب، ويتضرّع إليه في خلواته، ويطلب إصلاح حاله منه تعالى، فإنّه لا ملجأ دون ذاته المقدّسة.
وتبقى الإشارة إلى أنّ المنشأ الأساس والمغذّي الأساس لقوّة الخيال هو حبّ الدنيا والانشغال بزينتها وسفاسفها، لذا ينبغي قطع هذه الشجرة الملعونة وتجفيف هذا النبع الملوّث، السامّة مياهه.
فعندما يكون قلب الإنسان مختلطاً بحبّ الدنيا، وليس له مقصدٌ ولا مقصودٌ غير تعميرها، فلا محالة أن يكون هذا الحب مانعاً من فراغ القلب وحضوره في ذلك المحضر القدسيّ، وعلاج هذا المرض المهلك والفساد المبيد هو العلم والعمل النافعان:
العلم النافع: التفكّر في ثمرات هذا المرض الذي هو مصدر الأمراض والمفاسد الأخلاقية، وفي نتائجه والمقارنة بينها وبين مضارّه ومهالكه الحاصلة منه. فكم هي محدودةٌ ومحكومةٌ بالفناء والزوال الفوائد الدنيوية التي قد يجنيها الإنسان المحب للدنيا؟ في مقابل ما يُسبّبه حبّها من ضررٍ له!! ويكفي لتبيان فداحة هذا الضرر ما ورد في الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام: «رَأْسُ‏ كُلِ‏ خَطِيئَةٍ حُبُ‏ الدُّنْيَا» . بقليلٍ من التأمّل يُدرك الإنسان أنّ جميع المفاسد الخُلقية كالطمع والحرص والاستعباد والتملّق.., والمفاسد العملية كالقتل والنهب والظلم..وسائر الأخلاق الفاسدة وليدة أمّ الأمراض هذه.
وحبّ الدنيا مانعٌ من الفضائل المعنوية، فالشجاعة والعفّة والسخاء والعدالة وطمأنينة النفس وسكون الخاطر وسلامة القلب والكرامة والحرية وعزّة النفس، وكذلك المعارف الإلهية والتوحيد في الأسماء والصفات والأفعال والذات وطلب الحق و رؤية الحق، جميعها متضادّةٌ مع حبّ الدنيا. فعن الإمام الصادق عليه السلام: «الدُّنْيَا بِمَنْزِلَةِ صُورَةٍ رَأْسُهَا الْكِبْرُ وَ عَيْنُهَا الْحِرْصُ وَ أُذُنُهَا الطَّمَعُ وَ لِسَانُهَا الرِّئَاءُ وَ يَدُهَا الشَّهْوَةُ وَرِجْلُهَا الْعُجْبُ وَ قَلْبُهَا الْغَفْلَةُ وَكَوْنُهَا الْفَنَاءُ وَ حَاصِلُهَا الزَّوَالُ فَمَنْ أَحَبَّهَا أَوْرَثَتْهُ الْكِبْرُ وَمَنِ اسْتَحْسَنَهَا أَوْرَثَتْهُ الْحِرْصُ وَمَنْ طَلَبَهَا أَوْرَدَتْهُ إِلَى الطَّمَعِ وَمَنْ مَدَحَهَا أَكَبَّتْهُ الرِّئَاءُ وَمَنْ أَرَادَهَا مَكَّنَتْهُ مِنَ الْعُجْبِ وَمَنِ اطْمَأَنَّ إِلَيْهَا رَكِبَتْهُ الْغَفْلَةُ وَمَنْ أَعْجَبَهُ مَتَاعُهَا فَتَنَتْهُ فِيمَا يَبْقَى وَ مَنْ جَمَعَهَا وَبَخِلَ بِهَا رَدَّتْهُ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا وَ هِيَ النَّار» .
العمل النافع: إنّ طريق علاج حبّ الدنيا هو مبدأ العمل بالضدّ. فكلّ محبٍّ للدنيا لديه نمطٌ من التعلّق بها، فالبعض يُحبّ المال والثروة وتكديس الخيرات وادّخار النفائس، وعلاج هذا الشخص يكون بأداء الحقوق المالية الشرعية الواجبة وبالصدقة المستحبّة، فيُعطي ممّا يُحبّ ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ . فإنّ من أسرار الصدقات تقليل التعلّق بالدنيا. وإنْ كان هذا الأمر ثقيلاً على نفسه بادئ الأمر فليعلم أنّ السبب هو استحكام حبّ المال في قلبه، وليستمرّ في إنفاقه حتى يقضي على هذا الحبّ شيئاً فشيئاً.. وقد يُصبح العطاء لديه لذّة كما كانت لذّة التملّك وجمع الأموال .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.