السيف والفتوى دراسة توثيقية لجرائم الإبادة الجماعية في العراق من العصر الأموي حتى الاحتلال العثماني

الحلقة ( 21)

د. حيدر فرحان الصبيحاوي

تنشر (المراقب العراقي) كتاب (السيف والفتــوى) لـ د. حيدر فرحان الصبيحاوي، الصادر عن مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية. ويوثق الكتاب ويؤرخ لجرائم الابادة الجماعية التي تعرض لها العراق من العصر الاموي وحتى العصر العثماني.كان هدف الأمويين تثبيت سلطانهم على حساب الدين، والتخلص من معارضي السلطة الغاشمة، لا سيما التخلص من الشيعة الذي عدوه بنظرهم ليس مذهباً دينياً، وإنما حركة سياسية، فاستعانوا بتدبير التهم الكاذبة لتصفيتهم كما هو الحال عندما راح زياد بن أبيه يؤلف صيغة اتهام لحجر بن عدي الكندي وأصحابه، وأدعى بأنه شتم الخليفة ودعا إلى حرب أمير المؤمنين، و وقع رؤساء الأرباع في الكوفة على صحة الاتهام، ويبدو أن زياد قد زور شهادات الشهود، إذ أنكر الكثير التوقيع بما فيهم القاضي شريح بن هانئ الحارثي، وكان يقول: (ما شهدت، ولقد بلغني أن قد كتبت شهادتي)، وأمر معاوية بقتل حجر ومن معه.
بعد هلاك معاوية، جاء ابنه يزيد (60 ـ 64 هـ/ 661 ـ 680 م)، فكان موفر الرغبة في اللهو والقنص والخمر والنساء، كانت ولايته ثلاث سنين وستة أشهر.
لقد ورث يزيد من آل سفيان كل موبقة وجريمة، و ورث الحقد القبلي الجاهلي الدفين على بيت النبوة الطاهرة، في سنة حكمه الأولى، قتل الإمام الحسين (ع)، ولعل ما تفوه به يزيد (لع) في بلاطه الملكي بالشام عند وصول أسارى بيت النبي (ص) بعد واقعة الطف الأليمة يظهر أحقاد الجاهلية التي زرعها الطلقاء في الجيل اللاحق من الأمويين، إذ يروي شيخ صدوق من مشايخ بني هاشم أنه جيء برأس الحسين (ع) و وضع بين يديه في طست فجعل يضرب ثناياه بمخصرة كانت في يده، وهو يقول:
لعبــــت هاشـــــــم بالملك فــــلا
خــــبر جــاء ولا وحــي نـــــــزل
ليـت أشيــاخي ببــــدر شـــهدوا
جــزع الخزرج من وقع الأســــل
لأهلـوا واستهلوا فـرحـاً
ولقالــوا يــا يزيد لا تشــل
فجـــزينـاه ببــدر مـثـــلاً
وأقمنــا مثــل بـدر فاعتــدل
لسـت من خنـدف إن لم أنتقـــــم
من بنـي أحمــد ما كـان فعــل
حتى ردت عليه زينب بنت علي بن أبي طالب (ع) في خطبة طويلة نقتبس منها بعض السطور لتوضح حقيقة الحقد الأموي على الإسلام، وحقدهم القبلي على بني هاشم وآل الرسول خاصة، بسبب النبوة وقتلى الكفار المشركين ببدر، فقالت: (أمن العدل يا بن الطلقاء؟ تخديرك حرائرك وإماءك، وسوق بنات رسول الله سبايا؟ .. ولا عجب من فعلك، وأنًى ترتجي مراقبة من لفظ فوه أكباد الشهداء، ونبت لحمه بدماء السعداء، ونصب الحرب لسيد الأنبياء، وجمع الأحزاب، وشهر الحراب، وهز السيوف في وجه رسول الله (ص)، أشد العرب جحوداً، وأنكرهم له رسولاً، وأظهرهم له عدواناً، واعتاهم على الرب كفراً وطغياناً، ألا إنها نتيجة خلال الكفر، وصب يجرجر في الصدر لقتلى يوم بدر).
لم يكن الحقد القبلي هي الميزة الوحيدة لفجور يزيد، وإنما كان حقوداً على الإسلام نفسه، وكان ملكاً جباراً يقود الدولة بسياسة الطغاة ولا يكترث لدماء الابرياء، ففي السنة الثانية من حكمه نهب مدينة رسول الله (ص) بعد أن كرهوا خلافته وخلعوه لما عرف عنه من قبح سيرته ومجاهرته بالمعاصي واشتهاره بالقبائح، وفي سنة حكمه الثالثة غزا مكة وحرقها وضربها بالمنجنيق.
كل تلك الأحداث والمؤامرات والقتل والتنكيل والمضايقات التي قادها الأمويون الأوائل أمثال معاوية ويزيد ومروان بن الحكم، لم تشفِ غليل الأمويين الدموية، وإنما تجذرت فيمن جاء بعدهم. حتى أنهم قتلوا معاوية بن يزيد الذي حكم أربعين يوماً، وقيل ثلاثة أشهر وذلك سنة (64 هـ/ 683 م)، وكل ذنبه أنه رفض سياسة جده معاوية وأبيه يزيد فقال: (اني ضعفت عن امركم، فأنتم أولى بأمركم، فاختاروا له من احببتم، فما كنت لأتزودها ميتاً وما استمتعت بها حياً). ثم صعد المنبر وقال: (يا أيها الناس، إن جدي معاوية نازع الأمر اهله، ومن هو أحق منه لقرابته لرسول الله (ص) وهو علي بن أبي طالب، و ركب فيكم ما تعلمون حتى أتته منيته، فصار في قبره رهيناً بذنوبه وأسيراً بخطاياه، ثم قلد أبي الأمر فكان غير أهل لذلك، و ركب هواه وأخلفه الأمل وقصر عنه الأجل، وصار في قبره رهيناً بذنوبه وأسيراً بجرمه)، ثم بكى وقال: (إن من أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه وبئس منقلبه، وقد قتل عترة رسول الله، وأباح الحرم وخرب الكعبة. وما أنا بالمتقلد ولا بالمتحمل تبعاتكم فشأنكم وأمركم. والله لئن كانت الدنيا خيراً فلقد نلنا منها حظاً، ولئن كانت شراً فكفى ذرية أبي سفيان ما أصابوا).
هذا الوعظ والإرشاد والنصيحة لم تكن له أذاناً صاغية لدى جبابرة آل أمية، بل أن معاوية الثاني راح ضحية لنصحه وتذكيره لهم بسوء عاقبتهم، حتى أن أمه قالت له: (ليتك كنت حيضة. قال: يا ليت)، ودخل داره وتغيب أياماً ومات، وقيل مات مسموماً.
بعد وفاة معاوية بن يزيد، سيطر مروان بن الحكم على مقاليد السلطة (64 ـ 65 هـ/ 684 ـ 685 م)، كان يعرف بابن الطريد، ويسمى أيضاً ابن الزرقاء، والزرقاء جدة مروان من ذوات الرايات التي يستدل بها على بيوت البغايا في الجاهلية فلذلك كانوا يذمون بها.
عبد الملك بن مروان حاول أن ينهج منهجاً جديداً مع العلويين يخالف نهج اسلافه، فكتب الى عامله الحجاج: (انظر دماء بني عبد المطلب ، فاحقنها واجتنبها فأني رأيت آل أبي سفيان لما ولغوا فيها لم يلبثوا إلا قليلا). أوصى عبد الملك جزاره ان يتجنب دماء بني عبد المطلب فقط، لا حباً بالرسول، ولا خوفاً من الله، بل خوفاً على عرشه وسلطانه، اما غير آل عبد المطلب فدماؤهم مباحة للحجاج.
ان هذا الموقف لا يفسر بأي شكل من الاشكال حسن سيرة عبد الملك تجاه الرعية، بل على العكس، فقد كان مقداماً على سفك الدماء بدليل أن عماله من أظلم وأشد الناس قتلاً وتنكيلاً، فكان الحجاج عامله على العراق، والمهلب بن صفرة على خراسان، وهشام بن إسماعيل على مصر، وموسى بن نصير على المغرب، ومحمد أخو الحجاج على اليمن، ومحمد بن مروان على الجزيرة، وكل من هؤلاء ظلوم غشوم جائر، وهو أول من غدر في الإسلام، وأول من نهى عن المعروف.
ففي حكم عبد الملك بن مروان (65 ـ 86 هـ/ 685 ـ 705 م) كان العداء لمحمد وآل بيته بصفة خاصة، فكانت ايامه اشد هولاً على الشيعة من أيام معاوية ويزيد ـ باستثناء يوم الطف ـ، وكان الرجل يفضل ان يقال له انت زنديق وكافر على ان يقال له انت شيعي، لا لشيء إلا لأنهم شيعة يهوون هوى الرسول وآل بيته. واتصفت سياسته بالشدة والعنف، فقد حج سنة (75 هـ/ 695 م) بعد مقتل ابن الزبير ولما جاء المدينة وفيها أنصار أهل البيت خطب فيها خطاباً قال فيه: (أما بعد فاني لست بالخليفة المستضعف ـ يعني عثمان ـ، ولا بالخليفة المداهن ـ يعني معاوية ـ، ولا بالخليفة المأفون ـ يعني يزيد ـ، ألا وأني لا أداوي هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم.. والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه).
أما عن ولاته، فالحجاج مثلاً رجل عبد الملك المقرب الذي ولاه العراق سنة (75 هـ/ 695 م)، وحين وصوله البصرة خطب فيهم خطبة طويلة نقتبس منها: (أنه قلدني بسيفين حين توليته إياي عليكم: سيف رحمة، وسيف نقمة، فأما سيف الرحمة فسقط مني في الطريق، وأما سيف النقمة فهو هذا). وسار إلى الكوفة وفي أول خطبة له قال: (يا أهل الكوفة أني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى.. وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم وأن أوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب بن أبي صفرة، وإني أقسم بالله لا أجد رجلاً تخلف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيام إلا ضربت عنقه…).
ويذكر لنا صاحب التاريخ المظفري خطبة أخرى عن الحجاج عند وصوله إلى العراق، إذ خطب الحجاج وقال: (ان أمير المؤمنين ـ يقصد عبد الملك بن مروان ـ وجهني اليكم، أما والله لالحونكم لحو العود، ولأعصبتكم عصب السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الأبل، ولأهبرنكم بالسيف هبر يدع النساء ايامى والولدان يتاما)، من هذه الخطب وما تلاها نتبين خطة الحجاج التي أراد أن يسوس بها أهل العراق وهي خطة التعسف والجور والدموية.
من المؤسف أن نجد هناك أقلاماً محسوبة على المؤرخين، وهم في الواقع ذوو أقلام حاقدة وطائفية، وبعيدون عن الحيادية والمنهجية في سرد الوقائع التاريخية والتحليل المنطقي، إذ أنهم يخترعون الحجج ويكذًبون الوقائع التاريخية ويبحثون عن أعذار ويزيفون التاريخ لتبييض صفحة مجرم وطاغية أمثال الحجاج حيث نشر محمود الجومرد كتاباً بعنوان (الحجاج رجل الدولة المفترى عليه) طبع سنة 1985 ليضعه من خلال كتاباته ومديحه لهذا الطاغية في مصاف الأنبياء والأولياء من نبل الأخلاق والكرم والمروءة ويحاول أن ينسج من أضغاث أحلامه صفحة بيضاء لطاغية ملأ السجون والمقابر من أجساد الأبرياء حتى يقول عنه ـ أي الحجاج ـ (ومن سوء الحجاج أن بعض المؤرخين الذين تحدثوا عنه، خرج عن مفهوم التاريخ وعبث بالحجاج ، وشوه صورته وأعماله.. وكان مجيء الحجاج الى العراق سنة 75 هـ سبباً للقضاء على الفوضى وما احدثوه من الثورات وسفك الدماء..).
لعلنا من بين فلتات قلم الأستاذ محمود جومرد نفهم بأنه ينظر الى ثورات المظلومين على أنها فوضى لأن المستضعفين لا يحق لهم أن يثوروا على الظلم والطغيان والجوع، ولكن المؤلف معذور كونه أحد أعوان حركة إعادة كتابة التاريخ التي قادها البعثيون في الثمانينات من القرن الماضي أثناء حكم الطاغية صدام، والتي هي في الواقع حركة تزييف التاريخ، فلا بد من تجميل صورة الطغاة لأن شبيه الشيء منجذب إليه.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.