كابوس اسمه الحب

سرور العلي

ماتت نظرته بعد ذلك المشهد الذي رآها به تسير جنباً إلى جنب مع زوجها، وعلى شفتها ابتسامة غاية في السعادة لا تنسى. وداعبت مخيلته الكثير من الأيام الماضية التي ما زالت راسخة في ذاكرته وتأبى على النسيان، وتذكر بأنه أحبها بجنون وشغف لطلب يدها، ولكن سفره المفاجئ حال دون تحقيق رغبته. واصفر وجهه وهو يرى يدها في راحة يده وطال صمته، واخفى ثورته إلى حين وكأنه يقاوم بركاناً مشتعلاً بداخله، دفعت من عمرها الكثير في انتظاره، على أمل العودة يوماً لتتوج إليه عروساً، لكنه تأخر ولم يعد إلا بعد أن بيعت لغيره، وصار هو فريسة لذكراها، يستحضر أيام خلته مترسخاً بقاع اليأس، يلهي بها نفسه ويداري ألمه.
تختنق الدموع في عينيه، يكاد يبكي ولكن حزنه كان أكبر من البكاء، أكبر من أن تنفضه الدموع. وعبث بواحدة من الذكريات وجعلها تجري أمامه وانتشى بعبقها الجميل، احتست قهوتها وهو يجلس قبالتها، يشبع عينيه منها، يشرق وجهها بابتسامة، تضيء سماء روحه المعتمة، وبعد نصف ساعة يفيق من دوامة الاحتراق ليدخل في متاهة أخرى وحريق آخر يأكل قلبه وكيانه وصار يدمن اللقاء وأحاديثها.
ها هو يدخل عاماً جديداً ، الكل فيه يتوق الى السعادة وتحقيق حلمه، انزوى في أحد أركان غرفته، على سريره بالتحديد والسيجارة في يده المرتجفة، النافذة مشرعة قبالته والسماء مزينة بأضواء الشعالات النارية و رائحة الفطائر والكعك الشهي تعبث بأنفه، فقد أعدت والدته في المطبخ كل أصناف المعجنات والعصائر لاستقبال هذه المناسبة. نسيت أن تعد له ذاكرة جديدة، في مثل هكذا يوم من العام الماضي كان يستمع لصوتها عبر خط الإتصال قبل دخولهما عاماً جديداً بدقائق، اخبرها بأنه يريد أن يبدأ العام على سحر صوتها، اشتعلت خجلاً على الرغم من حديثهما خلف الشاشة فقط، لم تدرك بأنه يختتم حياته معها.
ونفث دخان سيجارته و واصل الغرق القديم، استحضر ذكرى أخرى كان يتجنبها كثيراً، وحدق بها ولامس شرارتها، رأها قبل أن يرحل بيوم، وهبط عليها الخبر كالصاعقة، وبكت الكثير لحظتها وبكت على وسادتها، ثم أفاق على صوت جرس الهاتف، ولم تكن هي بل كان صديقه يدعوه للخروج معاً لتنزه في أجواء المدينة المحتفلة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.