الإصلاح أصل اجتماعيّ مُهمّ في الإسلام

قال تعالى ﴿فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ .
من وصيّة أمير المؤمنين عليه السلام للإمامَين الحسنَين عليهما السلام: «أُوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي، بتقوى الله، ونظم أمركم، وصلاح ذات بينكم، فإنّي سمعت جدّكما صلى الله عليه وآله وسلم يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام» .
والمراد من عامّة الصلاة والصيام هو الكثير من الصلاة والصوم المستحبَّين، وليس مطلق الصلاة والصوم ولو كانا واجبَين. وعن الإمام الصادق عليه السلام: «صدقةٌ يحبّها الله إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقاربٌ بينهم إذا تباعدوا» .وعنه عليه السلام: «لَأَنْ أُصْلِحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِدِينَارَيْنِ» . عن الإمام علي عليه السلام: «فَوَاللَّه مَا كَانَ يُلْقَى فِي رَوعِي، ولَا يَخْطُرُ بِبَالِي أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ هَذَا الأَمْرَ مِنْ بَعْدِه صلى الله عليه وآله وسلم عَنْ أَهْلِ بَيْتِه، ولَا أَنَّهُمْ مُنَحُّوه عَنِّي مِنْ بَعْدِه، فَمَا رَاعَنِي إِلَّا انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلَانٍ يُبَايِعُونَه، فَأَمْسَكْتُ يَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الإِسْلَامِ، يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دَيْنِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الإِسْلَامَ وأَهْلَه أَنْ أَرَى فِيه ثَلْماً أَوْ هَدْماً تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِه عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَايَتِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ، يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ، أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ، فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ و زَهَقَ، واطْمَأَنَّ الدِّينُ وتَنَهْنَه» . عن الإمام علي عليه السلام: «وأَيمُ الله، لولا مخافة الفرقة من المسلمين أَن يعُودُوا إلى الكفر، ويعود (ويبور) الدين، لكنَّا قد غيَّرنا ذلك ما استطعنا» . ان المصلِح أكرم الخلق على الله بعد الأنبياء عن الإمام الصادق عليه السلام: «أكرم الخلق على الله بعد الأنبياء، العلماء الناصحون، والمتعلِّمون الخاشعون، والمصلح بين الناس في الله» . والمصلِح صديق الله في الأرض عن الإمام الصادق عليه السلام: «مَن أصلح بين اثنَين فهو صديق الله في الأرض، وإنّ الله لا يُعذِّبُ مَن هو صديقه» .
ميادين الإصلاح
1- الإصلاح في نطاق الأسرة: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ .
2- الإصلاح في نطاق جماعة المؤمنين:﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ . والآية تؤكّد على أن يكون الإصلاح مراعياً للعدل.
3- الإصلاح بين ذوي القربى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ .
والمراد بـ ﴿مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ الأرحام الذين أمر الله بصلتهم. ويشهد لذلك ما ورد في الكافي الشريف عن سالمة مولاة أبي عبد الله عليه السلام، قالت: كنت عند أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام، حين حضرته الوفاة، وأغمي عليه، فلمّا أفاق قال: «أعطوا الحسن بن علي بن علي بن الحسين عليما السلام وهو الأفطس سبعين ديناراً، وأعطوا فلاناً كذا وفلاناً كذا»، فقلت: أتعطي رجلاً حمل عليك بالشفرة يريد يقتلك؟ قال: «تريدين أن لا أكون من الذين قال الله عزّض و جلَّ: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ . نعم يا سالمة، إنّ الله عزّ و جلّ خلق الجنة فطيَّبها وطيَّب ريحها، وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة ألفَي عام، ولا يجد ريحَها عاقٌّ ولا قاطعُ رحم» .
4- الإصلاح بين الأفراد: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
5- الإصلاح بين أصحاب الحقوق في الوصايا: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.