قلوب متخوفة تحكي: «الموت يحيط بأرواحنا من أجل العلم» شهادات لناجين: صدامات مخيفة يتعرّض لها طلبة المحافظات جراء حوادث السير

ارتفع صوت الإطارات وهي تحتك بالأرض بصوت مرعب، وصدمت رؤوس الركاب بالزجاج الأمامي في اللحظة نفسها التي صدمت بها السيارة بحاجز كونكريتي صلب سرعان ما تناثرت عليه الدماء, هذا ما حدث لجيهان طالبة العلم التي وافاها الأجل على طريق بغداد واسط بكل حسرة.
ومازالت سهى تتذكر حتى اليوم فصديقة عمرها, وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة ساعة وقوع الحادث قائلة: اذكر جيدا تلك اللحظات التي مرت بألم شديد حال إخراج جيهان من وسط رماد السيارة المحطمة وهي ملطخة بالدماء، اذ كنا قادمين من محافظة واسط إلى كلياتنا في بغداد ونحن نستقل سيارة الخط نوع ستاركس, سكتت سهى لوهلة وحالما استعادت قوتها أكملت الحديث بحزن: «لقد فقدت اعز صديقة جراء الحادث, ولن يغيب عن مخيلتي ولن تنفع الذكرى مثلما لا ينفع الندم».قلوب مغلّفة بالخطر
يحمل مرتضى مرارة العيش بالأقسام الداخلية على ان يذهب الى منزله في محافظة كربلاء، اذ يقول: نحن بأيدينا نعمل وجبات الغذاء على الرغم من ضيق الميزانية لدى بعض الطلبة إلا إننا يد واحدة لمواجهة كل الصعوبات التي نتعرض لها. الخطر الذي يحيط بمرتضى العزال وبجميع أصدقائه في الطرق الخارجية يجعل قلبه مغلفا بالخوف, إذ تصل مدة الطريق إلى خمس ساعات للذهاب إلى المنزل لبعض الطلبة.
كثرة الطلبة لا تمنعنا من وحدتنا من أجل العلم, «فمن طلب العلم سهر الليالي», لم يكن مرتضى يشعر بما يقول فقد اراد وبكل جهد التعلم من أجل بناء حياته الاجتماعية والمهنية, وتحمل مشاق السفر الطويل لمدة اربع سنوات.
لم يتخيل محمد جبار ما حصل له في تلك اللحظة التي قلبت حياته, حين نهض متثاقلا من فراش الموت في أحدى المستشفيات نتيجة حادث مروري. فلم يتمالك أعصابه حينها وأجهش بالبكاء على جميع من كان يستقل الخط الذي ينقلهم إلى كلياتهم, بعد أن صُدمت سيارته بسيارة أجرة شديدة السرعة كان يقودها شاب على الطريق السريع وقلبتها. ويذكر محمد: كل ما كان يشغل بالي هو حياة من معي, اذ لم ينجُ منهم إلا ثلاث فتيات بأعجوبة, وقد فقدت أصدقائي وتحولت حياتي إلى جحيم, وسبب هذا هو خطورة الحوادث المرورية على الخطوط السريعة.
بينما يدافع سائق الأجرة حيدر حسين (35 عاما) عن نفسه بنبرة حزن قائلا: لم اتعلم وتركت المدرسة وبدأت العمل كسائق أجرة لتوفير الغذاء لأسرتي, بعد ان أخذت السيارة من مالكها للعمل بها. ويقول حيدر: كنت ذاهباً إلى إحدى محافظات العراق مساء ومررت من سريع محمد القاسم, استطعت الخروج انا ومن معي من الموت المحتم من بين سيارة نقل كبيرة بأعجوبة.
درس لا ينسى
وتقول حنين سلمان طالبة جامعية تسكن في الأقسام الداخلية: (وية الشباب ما أصعد لو تذبحني) بهذه العبارة بدأت حديثها موضحة أنها تفضل ركوب سيارة أجرة يقودها رجل كبير في السن على الركوب مع شاب، لأسباب تتعلق بالخبرة التي يتمتع بها الرجل الكبير في قيادة السيارة في الطرق الخارجية والسريعة التي تنقلها الى محافظة كربلاء، فضلا عن طبيعة الوضع الأمني وكثرة الحوادث، الذي يجعلها تشعر بالخوف من الصعود مع الشباب، ممن وصفتهم بالطائشين الذين لا يتمتعون بأخلاقيات السير المروري، وربما لا يحمل أغلبهم أية رخصة لقيادة السيارة، فضلا عن حدوث حالات اختطاف كثيرة للفتيات، جعلت الكثير من النساء تفكر الف مرة في اختيار سائق الأجرة استنادا إلى عمره. بينما ما تزال سارة اسماعيل (21) عاما تتألم بسبب ما حدث لها في يوم لا ينسى: «بعد خروجي من المنزل في قضاء بلد والذهاب إلى طلب العلم, كانت عيون بعض الشباب تتربص بنا في الخط الذي ينقلنا إلى جامعة بغداد ومن معي». أراد ياسر صاحب السيارة التي استقلها وبكل جهد التخلص منهم وقاد سيارته بسرعة فائقة, اصطدمت السيارة وانقلبت وتناثرت أجزاء صغيره منها ما أدت الى حدوث ثقب في «خزان البانزين», واحترقت بأكملها ونجوت بأعجوبة. وتشير وزارة التخطيط إلى ان اعداد الوفيات قد تضاعفت بشكل ملفت للنظر خلال السنوات الماضية، واغلب تلك الحوادث تراوحت ما بين الاصطدام المباشر والدهس وانقلاب المركبات، وتوزعت بنسب ما بين 46 بالمئة لحالات الاصطدام و41 بالمئة لحالات الدهس، ومن خلال دراسة بهذا الشأن ثبت أن 70 بالمئة من تلك الحوادث كان سببها السائق نفسه، مع مراعاة أنواع السيارات المختلفة التي دخلت إلى العراق والتي تفتقر أغلبها إلى مقومات السلامة العالمية. ويقول مدير قسم العلاقات في مديرية المرور العامة العميد عمار وليد: هناك ثلاثة انواع من رخص القيادة (أ، ب، ج) حسب قانون المرور العامة رقم (86 لسنة 2004) وفقا للسن القانونية المعتمد في كل الأنظمة العالمية، بالإضافة إلى رخص قيادة الدراجات التي حددها القانون بسن الـ(16) عاما، حيث تمنح رخصة قيادة من فئة (أ) لمن يبلغ السن القانونية (18) عاما لتتيح له هذه الرخصة قيادة المركبات من نوع الخصوصي وسيارات الحمل الصغيرة (1 طن) وسيارات الأجرة واستخدامها للأغراض الشخصية فقط دون العمل بها كأجرة وبعد عامين يستطيع الحصول على رخصة قيادة من فئة (ب)، التي تخوله قيادة مركبات الأجرة أو النقل العام (11 راكبا) فما فوق، وبعد ثلاث سنوات يمكنه الحصول على رخصة قيادة من فئة (ج) والتي تسمح له بقيادة المركبات الثقيلة والكبيرة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.