أعمدة بلا إنارة وأسلاك متطايرة الأهالي يستغيثون والدوائر الحكومية تتبادل الاتهامات في ظل غياب الخدمات

تحقيق: مصطفى علاء

أرتجف جسد علي بشدة وجحظت عيناه وأزرق وجهه ، وأطلق حشرجة مخيفة لم يسمعها أحد، ثم سقط ميتا بقرب عمود الإنارة في منطقة الرسالة ببغداد، كان قد حاول الوصول إلى السلك الكهربائي الممتد إلى مولدة «الديزل» لتصليحه , بعد إن قطعه صاحب آلية لرفع النفايات دون عمد, فعاد التيار الكهربائي فجأة إلى عمود الإنارة بعد انقطاعه لعدة أيام، وحوله إلى جثة هامدة خلال لحظات. وكان حسن كاظم الذي روى لنا هذه القصة يدرك أن القدر لعب دوره في هذه الحادثة المميتة , التي لم تذهب من مخيلته إلى الآن.

أعمدة بلا إنارة

ويقول حسن إن «أهالي المنطقة يشكون من انتشار الأعمدة والأسلاك في الأزقة والطرق الرئيسة وانفجار مولدات الكهرباء وتطاير الأسلاك على الأرصفة. ويضيف أن «مديرية الكهرباء قامت منذ سنة بإنشاء أعمدة الإنارة, في منطقة حي الرسالة الثانية, وإكمال الجهة اليمنى من الشارع العام وترك الجهة اليسرى عبارة عن أعمدة بلا إضاءة.

لمحمد جبار قصة مختلفة مع عمود الإنارة يقول أنه فوجئ بان الإنارة على الطرف الآخر لم تكن كما يعتقد, بل كان يتصور أن الطريق الذي عانى من المآسي سينهض بطلته الجديدة المضيئة. عندها أدرك محمد (صاحب محل – 40 عاما) أن المحل الذي يمتلكه سيعمل من جديد ويصل إلى ما يتمناه وسيعود بعودة الإنارة إلى الطريق الرئيس الحيوي.

ويقول محمد إن الكثير من المشاكل التي تقع اليوم هي في الأساس تقع على عاتق المواطن, وسؤالي المتكرر لماذا أصبحنا هكذا ؟.

ويعلق ضاحكا: (جنت بوحدة صرت باثنين) ويعترف: أحيانا نعتقد بان العراق سينهض بوجود الشركات التي تعمل لخدمتنا, والعمل على اكمال المشاريع, لكن السرقة في بعض المشاريع أدت الى إهمال واضح في المشاريع .

ويقول حيدر عبد المحسن وعلى وجهه تلوح علامات الندم: اغلب أعمدة الإنارة التي تنصب في مناطق بغداد, ليست فيها إضاءة ويكون الضوء خافتا وخفيفا بسبب تردي نوعية الإنارة  المنصوبة , على عكس ما كان سابقا , الإضاءة الحمراء ذات القوة الكبيرة المتوهجة. ويضيف: بعض الشركات قامت بنصب الإنارة على الطرق الخارجية, تكون المسافة بين الأعمدة بعيدة ما السبب ؟ والله اعلم, وهذا جعل الشارع متوهجا من جهة معينة وترك الأخرى , إذ أن اغلب شوارع بغداد تعاني من نقص في الإنارة وانتشار الأعمدة الكبيرة والصغيرة على جانبي الطريق.

غياب الرقابة

ويروي حسين أبو هدى وهو احد سكان حي الشرطة الرابعة جنوبي بغداد في الخمسين من عمره: هناك تردٍ في البنى التحتية منها عطل مولدات الكهرباء الرئيسة وافتقار المنطقة إلى الإنارة وتشييد محال عشوائية وعدم وجود حاويات للقمامة وتراكم النفايات، أدى إلى تفاقم مشكلة الخدمات بصورة عامة. ويضيف: المشاريع التي توقفت بالعمل أدت إلى انتشار الأتربة والحفر الكبيرة , ووقوع أعمدة الكهرباء على المنازل , إضافة إلى سرقة أعمدة الإنارة الجديدة بعد نصبها وتركها لمدة طويلة. محمود عبد الهادي صادق لديه قصة مختلفة، اذ قال: كثرة السرقات للأعمدة الإنارة في بغداد وباقي المحافظات, جعل المواطن متخوفا من سوء الوضع الذي يحيط به وعدم وجود تنظيم وبلا إدارة جيدة زاد الأمر سوءا. ويبين أن بعض الشركات التي تقوم باستلام المشاريع الخدمية في بغداد, تبدأ بالعمل من الصفر وهذا ما يجعل المواطن مطمئنا , لكن البعض الآخر يصيبها التلكؤ بالعمل, وهذا يجعل الوضع يزداد سوءا على المواطن.

إهمال وفساد مالي

ويقول احمد علي (طالب 21 عاما) من منطقة الغزالية: هناك مناطق بدأ العمل بها من قبل شركات بتنصيب أعمدة الإنارة, لكن بعضاً من الشركات التي تلتزم المشاريع تخلت عن العمل بسبب ضعف ميزانية الدولة العاجزة عن تسديد كلف العمل الإنتاجية, لهذا يحصل تلكؤ  بالعمل بالإضافة إلى الفساد المالي والإهمال وعدم التنظيم من قبل الدولة. وينظر حسين حامد (موظف 34 عاما) للموضوع من زاوية مختلفة فيوضح، أن سرقة المال العام تجري في دماء الفاسدين , وبعض الشركات المتعاقدة مع وزارة الكهرباء من أصحاب النفوس الضعيفة الذين يحاولون سرقة المال العام, فمنهم من يتخلف عن العمل وهذا ما يدعو الوزارة إلى تحويل ملفات المشروع إلى هيأة النزهة للنظر في ملابسات القضية ومن خلاها تتم محاسبة السارق  ما يجعل المشروع يعاني من التلكؤ.

قلة التخصيصات المالية

ويرى المهندس الكهربائي كمال محمود إن أعمدة الإنارة باستخدام الطاقة الشمسية وهي وسيلة من وسائل الحصول على الإنارة من دون تكلفة, آذ أن التكلفة للعامود بالطاقة الشمسية مساويا لتكلفة العامود العادي, مع الأخذ في الاعتبار التكلفة في البنية التحتية للأعمدة من كابلات وحفر وردم عمر عامود الطاقة الشمسية أضعاف عمر العامود العادي, لكن كانت غير ناجحة فجميعها سرقت من قبل أصحاب النفوس الضعيفة. ويضيف: أعمدة الإنارة لها الأفضل في العمر الافتراضي والكفاءة برغم استخدام الطاقة الشمسية في مصدر لإنارة الشوارع يوفر اموالا كبيرة , لتطبيق تلك النظم لا تزال تواجه مشاكل في التمويل فكل هيأة أو مؤسسة لا تأخذ المبادرة لبداية الإنشاء ولا تزال بعض الشركات تنشئ الأنواع السيئة من الكشافات المستهلكة للطاقة. ويعلق مدير دائرة كهرباء الغزالية جاسم محمد التميمي على هذا الأمر فيقول: اغلب شوارع بغداد الرئيسة توجد فيها إنارة وهناك مديرية خاصة بالإنارة، أما الشوارع الفرعية فإنها خارج أطار مديرية الإنارة, وعدم امتلاك أمكانية في الوقت الحالي للإنارة وذلك بسبب ضعف ميزانية الدولة وقلة التخصيصات المالية. ويضيف أن عدم استمرارية التيار الكهربائي وانقطاعه يؤدي إلى كثرة السرقات وعلى الأغلب يصيب الإنارة بالعطل والإهمال من قبل الشركات المنفذة. ويوضح ان مشكلة الكهرباء بدأت منذ حرب 1991 واستمرت إلى يومنا هذا بسبب الانحصار الاقتصادي في مجتمعنا وبعد سنة 2003 كان السبب وراء عدم تجهيز الكهرباء بصورة نظامية, والطلب المتزايد على الطاقة, إذ كانت الأجهزة الكهربائية في السابق اقل ممّا موجود حالياً ومازال الطلب يتزايد, حيث كان أنتاج الطاقة 3000 ميكاواط, وحاجة بغداد 5000  ميكاواط, أما الآن فالإنتاج 7500 ميكاواط, والحاجة 11000 ميكاواط  مما زاد العبء على وزارة الكهرباء.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.