قراءة في «كتاب ميثاق إدارة الدولة في عهد أمير المؤمنين «عليه السلام» لمالك الأشتر» لآية الله الشيخ زين العابدين قرباني

هذا الكتاب يقدّم بياناً لعهد الإمام عليّ (عليه السلام) الذي عهد به إلى واليه على مصر مالك الأشتر، وقد تضمّن هذا العهد خطوطاً عامة وأمورا مفصلية للحكم وإدارة البلد بما يرضي الله، ويحفظ حقوق الرعية بمختلف طبقاتها، ولا سيما تلك المغبونة حقّها دائماً، فهو بحق دستور رصين، وقانون متكامل، يقضي على الحاكم أن يجعل وصاياه نصب عينيه، ومفاهيمه لا تفارق مخيلته، حتى لا تغرق سفينة حكمه.
ولصعوبة ما جاء فيه كان يقتضي وجود توضيح وبيان وشرح وتعليق؛ ليُعرف مغزى كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) وتستخرج جواهره ودرره، وقد وجدنا له شرحاً واضح العبارة سهل الأسلوب، يتسنى لأكبر قدر من القرّاء إدراك ما تضمنه، وما يصبو إليه ذلك العهد، ولعله يلبّي حاجة القارئ العادي، والقارئ المختص أيضاً، في هذا الزمن الذي لا يجد فيه المرء فرصة للقراء وسط المشاغل الكثيرة، وطغيان وسائل الإعلام المسموعة والمرئية.
وأصل هذا الكتاب، هو سلسلة من المحاضرات والدروس الدينية التي ألقاها المؤلف باللغة الفارسية، تكفّل الدكتور محمد علي قرباني بجمعها وإخراجها على شكل كتاب.
وجاء هذا الكتاب ردّاً على الدعايات الكثيرة التي ينشرها الاستكبار العالمي، والجهود التي يبذلها من أجل حرف الدين الإبراهيمي والرسالة المحمدية عن الصراط القويم والغاية المنشودة التي تتمثل في تأمين السعادة المادية والمعنوية للإنسان في الدنيا والآخرة، وحصره في الأبعاد الأخلاقية والأعمال الفردية، من خلال تفعيل مقولة: (فصل الدين عن السياسة والحكم).
جاءت هذه الرسالة –الرسالة الثالثة والخمسون من نهج البلاغة- لتجيب عن هذه الشبهة، وتشير إلى أن مسألة فصل الدين عن السياسة في الأديان السماوية – وفي الإسلام على وجه الخصوص- غير واقعية وغير منطقية، بل على العكس من ذلك، فإن مسألة الحكم والإدارة الإلهية تتبع من صلب الدين وصميمه، ونجدها في محتوى جميع الأديان الإلهية، كما ورد في الرواية: (ولم يُنادَ بشيءٍ كما نودي بالولاية).
ومن هنا فقد أفرد الإمام عليّ (عليه السلام) رسالة مفصّلة بهذا الخصوص في نهج البلاغة، وألزم الوالي بتطبيق مضامينها، إذ يقول: (هذا ما أمر به عبدُ الله علي أمير المؤمنين مالكَ بن الحارثِ الأشتر في عهده إليه، حين ولّاه مِصر: جباية خراجها، وجهاد عدوّها، واستصلاح أهلها، وعِمارةَ بلادها…)
ومن الواضح أنّ كتاب(نهج البلاغة) يتضمن مقتطفات من كلمات وخطب و رسائل الإمام عليّ (عليه السلام) قام بجمعها الشريف الرضي (406هـ) وقد أطلق عليه نهج البلاغة، وهذا الكتاب –نهج البلاغة- يتكون من ثلاثة أقسام رئيسة:
القسم الأول: الخطب، وعددها ثلاثمئة وتسع وثلاثون خطبة، ألقاها الإمام في مواقف خاصة.
القسم الثاني: الكتب والرسائل، وعددها تسعة وسبعون كتاباً، أرسلها الإمام إلى بعض الأشخاص حسب الحاجة.
القسم الثالث: الكلمات القصار في المواعظ والحِكَم، اقتُبست من مجموع أقوال الإمام وكتاباته، وهي أربعمئة وثمانون حكمةً وموعظةً.
و رسالة الإمام (عليه السلام) إلى مالك الأشتر هي الرسالة الثانية والخمسون في بعض نسخ النهج، والثالثة والخمسون في نُسخٍ أخرى، ولقد تعددت تسميات هذه الرسالة تبعاً للجهة الملاحظة فيها، فأحياناً ينظر إلى اللفظ، وأخرى يُنظر إلى المضمون والمحتوى، فمن الناحية اللفظية أطلق عليها اسم (عهد الإمام إلى مالك الأشتر) أو (كتاب الإمام لمالك الأشتر)، ومن ناحية المضمون والمحتوى، فيطلق عليها: (مرسوم البلد) أو (صفات المسؤولين) أو (ميثاق إدارة البلد)، وأمثال هذه التسميات، وجميع هذه المسميات تشير إلى حقيقة مهمة واحدة، وهي: إنّ إدارة البلد لا بد أن تدور حول محورية الدين.
وجاء الكتاب–ميثاق إدارة الدولة-على ستة عشر فصلاً؛ ومن أبرز فصوله التوصيات العامة في وظائف الحكومة، فضلاً عن بيان الإرشادات التي يجب على الحاكم مراعاتها، وأبرز مهمّات الحكومة الإسلامية، و وظائف الحاكم تجاه الطبقة المستضعفة في المجتمع، وختم كتابه ببيان الوصايا الأخلاقية، ومنها تجنب الإعجاب بالنفس، إذ يقول (عليه السلام): (وإيّاك والإعجاب بنفسك، والثقة بما يُعجبك منها، وحُب الإطراء)، الابتعاد عن الإفراط والتفريط، إذ يقول (عليه السلام): (وإيّاك والعجلة بالأمور قبل أوانها، أو التسقط فيها عند إمكانها، أو اللجاجة فيها إذا تنكّرت، أو الوهن عنها إذا استوضحت، فضع كلّ أمر موضعه، وأوقع كل عمل موقعه). وختاماً نأمَلُ للقارئ الكريم وقتاً مفيداً مع هذا الكتاب، وكلّنا رجاء في أن يساهم هذا النتاج القيّم في بيان مضامين هذا العهد التاريخي المهم وتوضيحه للقارئ الكريم.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.