المهام الأساسية للولاية

عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر لما ولاه مصر: «أَمَرَه بِتَقْوَى اللَّه وإِيْثَارِ طَاعَتِه، واتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِه فِي كِتَابِه مِنْ فَرَائِضِه وسُنَنِه، الَّتِي لَا يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلَّا بِاتِّبَاعِهَا، ولَا يَشْقَى إِلَّا مَعَ جُحُودِهَا وإِضَاعَتِهَا، وأَنْ يَنْصُرَ اللَّه سُبْحَانَه بِقَلْبِه ويَدِه ولِسَانِه، فَإِنَّه جَلَّ اسْمُه قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَه وإِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّه، وأَمَرَه أَنْ يَكْسِرَ نَفْسَه مِنَ الشَّهَوَاتِ، ويَزَعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ، فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ اللَّه».
من المعلوم أنّ الذي يتصدّى لشؤون الناس العامّة وهي كثيرة ومتعدّدة عليه أن يعرف قبل أيّ شيء ما المطلوب منه ؟وهو ما يُعبَّر عنه بالأهداف الكبرى أو العامّة؛ لأنّ معرفتها سيحتّم على المتصدّي أن يجهز ويهيّئ المقدّمات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف حتى لا يهدر طاقاته و وقته في أمور غير ذات أهميّة أو ليس لها أولويّة ومن ثمّ تتبيّن المهام الأساسيّة التي يجب أن يتولاها وعلى ضوئها يصبح الحكم ممكناً وفق معايير محدّدة مسبقاً.
ولأنّ الإمام (عليه السلام) يدبر أمور دولة دينية والمعيّن منه يجب أن يكون حريصاً على تنفيذ أوامر القائد الأعلى وأن يتحرّك ضمن الخطط المحدّدة منه؛ فإنّ التوجيهات يجب أن تصبّ في خدمة هذه الرؤية الدينيّة التي لا تنفك بكلّ مفرداتها عن أصول وضوابط وسياسات هذه الرؤية.
إنّ المستقى من نصّ الإمام (عليه السلام) في بدايته هو أنّ الولاية الدينية تقوم على أساس تحقيق هذه المصالح والمنافع العامّة بأبعادها الماليّة والأمنيّة والحفاظ على مصالح العباد وتسخير الإمكانات للعمران والازدهار ممّا يكشف بوضوح على العلاقة القائمة بين طبيعة الحكم الدينيّ وضرورة القيام بمهام تلبّي تطلّعات الناس والمجتمع في التقدّم والتطوير كما في الحفاظ على الهويّة والكرامة وإدارة الشؤون المرتبطة بحياة الناس عموماً.
ثمّ نلحظ بوضوح أنّ الاعتماد على الرؤية لوحده غير كافٍ بل لا بدّ للحاكم من أن يتحلّى بالدافعيّة الإيمانيّة والأخلاقيّة وهي التي تجعله مؤهّلاً للقيام بالمهام مرتكزاً على خلفيّة العبودية والطاعة لله تعالى ليكون العمل السياسي والجهادي والإداري من أفضل القربات إلى الله تعالى؛ إذ أنّ هذه الروحيّة هي التي تعين على الاستقامة وتشحذ الهمم في سبيل خدمة العباد وهذا ما يفسّر لنا الكثير من الأخطاء التي يقع فيها من يتحمّل مسؤوليّة شرعيّة في نظام ديني ليحقّق الشريعة وأحكامها في مقام العمل والتطبيق دون أن يكون هو بنفسه وأخلاقه ومنطلقاته منسجماً مع هذه الرؤية، ومن هذا يُفهم أنّ أحد أهمّ شروط قيام الحكومة الدينية إخلاص وتقوى القائمين عليها والتزامهم الأحكام الشرعية.
وفي وصية الإمام له تأكيد أمرين في التعامل مع النفس الأمارة بالسوء:
اولا ـ أَنْ يَكْسِرَ نَفْسَه مِنَ الشَّهَوَاتِ: وهذا يعني أن يقوم بما يجعلها لا تميل إلى الشهوات وهو بذلك يسلم من مخاطر الوقوع في المعاصي.
ثانيا ـ ويَزَعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ: أي أن يقاومها ويقاوم رغبتها عندما تندفع نحو المعاصي فيمنعها من ذلك من خلال مخالفة هواه وطاعة ما أمر الله عزَّ و جلَّ به.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.