الـقاص الجزائري جـمال الدين خنفري في حوار مع «المراقب العراقي»:الكاتب الذي لا يتأثر بما حوله مفلس فكرياً وإبداعياً.. وقصصي تتناول مشاعر الإحساس بالظلم عربياً

المراقب العراقي/ جـمال بوزيان

قدْ يُدرِك القارئ الكريم رسائل القاصّ بيْن ثنايا هذا الحوار؛ ويَكتشف كاتبًا فيَختاره ويُضيفه للقائمة الّتي تُضيف له جديدًا كُلّ حين؛ لا سيما أنّ ضيف اليومَ ذو حِمل معرفيّ ثمين. قراءة ماتعة نافعة.* مَن جَـمال الدِّين خنفريّ؟
ـ جـمال الدين خنفري، من مواليد 16 شباط 1953 م ببلدية ليشانة، دائرة طولقة، ولاية بسكرة… متحصل على شهادة التعليم الابتدائي عام 1969 م، متخرج من المعهد التكنولوجي للتربية بالمدية عام 1972 م، متحصل على شهادة الكفاءة العليا عام 1982 م. اشتغلتُ في قطاع التربية والتعليم، وصحفيّ ومُراسِل سابق لصحيفتي «الرأي العربي» بسكيكدة؛ و»الشراع العربي» بقسنطينة، عضو بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين؛ شعبة بلدية ليشانة، عضو مؤسس في الشبكة الجزائرية للإعلام الثقافي، عضو باتحاد الكتاب الجزائريين؛ فرع ولاية بسكرة. صدرتْ لي عام 2016 مجموعة قصص قصيرة جدا بعنوان «تراتيل الـجِراح على الأجساد المهترئة»، عن دار علي بن زيد للطباعة والنشر ببسكرة، تحت إشراف مديرية الثقافة لولاية بسكرة وبالتنسيق مع اتحاد الكتاب الجزائريين فرع ولاية بسكرة.
* لِمَن قرأتَ؟
ـ قرأتُ للكثير من القامات الأدبية، منها العربية والجزائرية، وحتى نتجنب إثارة الحساسية أكتفي هنا بعدم الإفصاح عن الأسماء، أما الكاتب الذي كان له التوجه القوي والتأثير الكبير في مساري الأدبي، هو الأديب المصري مصطفى لطفي المنفلوطي من خلال مؤلفاته ذات الأسلوب الراقي، الرائع جدا، السلس والـمشوق، وهي تتوزع كالآتي: النظرات، العبرات، في سبيل التاج، الشاعر، مجدولين، الفضيلة أو «بول وفرجيني».
* متى بدأتَ الكِتابة؟ وما أوّل قصّة كتبتْها؟ ومَن قرأها أوّل مَرّة؟
ـ بدايتي مع الكتابة كانت في السنة الخامسة من التعليم الابتدائي بموضوع إنشائي بعنوان «القط» الذي أجدت التعبير فيه حتى أن معلمي ارتاب في قدرتي على كتابته بمفردي مما حدا به إلى استفسار والدي عن الأمر فكان جوابه أنه اعتمد على نفسه في صياغته دون أن يستعين بأحد! ومن هنا بدأ الحرف كصديق حميم يملأ حياتي، ويملك كياني، يرتحل معي حيث أرحل عبر «خربشات» ومسودات إلى أن استقر على بياض القرطاس مستندا إلى ظهر القلم انطلاقا من عام 1971 م بنشر مُشارَكاتي في صحيفة «الشعب» عبر بريد القراء الذي كان متنفسا للبوح ومجالا لتعزيز إمكاناتي في الكتابة، إضافة لنشاطاتي الأدبية الفردية في إجراء حوارات مع وجوه أدبية وفنية من ذلك، الشاعر الكبير محمد الأخضر السائحي، والشاعر حسن بن رمضان، والكاتب الإعلامي محمد كاديك، والممثل القدير محمد أدار وغيرهم.
أَذكُر أول قصة كتبتُها، كان موضوعها يتناول أحداث ثورتنا المجيدة، لكن للأسف ضاعت مني في خضم «الأرشيف»، وقد كانت مجرد محاولة، وأول من عرضتُها عليه هو والدي (يرحمه الله) الذي لَم أَحظَ منه بأي ملاحظة مشجعة.
* مَن شجّعكَ وأَنار دروب قلمكَ؟
ـ إن عالَم الكتابة هذا، اقتحمته بمفردي، وبجهدي الخاص، ودون مساندة أو رعاية من أحد، أو حتى بكلمة تشجيع، فالفضل فقط يعود إلى شغفي بالمطالعة، من خلال ما أقتنيه من كُتب لأسماء أدبية في سائر الأجناس الأدبية.
* تَحدَّثْ عن بطل من أبطال قصصكَ؟
ـ قصصي تأخذ مجرى القصة القصيرة جدا، وهي جنس مستحدث في المجال الأدبي، وتعتمد في بنائها أساسا على التكثيف والترميز والإيحاء و رشاقة الأسلوب والقفلة المدهشة… وإذا عدنا إلى الحديث عن قصصي من هذا النوع، نجدها في جلها أو كلها تتناول في مضامينها ما له علاقة بالواقع الـمر لمجتمعنا، وترصد حالات البؤس والتأزم والفساد التي يعيشها المواطن ضمن منظومة بلده! ومن هنا تشكَّل الأبطال لهذه القصص، الذين ينتمون للطبقة المسحوقة، ومن أبطال إحدى هذه القصص الموسومة «خراب»، أُمٌّ عايشتْ أهوال الحرب المدمرة، فطالتها شظاياها، فزرعتْ في مشاعرها نوازع الهلع والخوف، مما تسبب في ارتباكها وتشتت أفكارها، فعوض أن تفر بجلدها، وطفلها بحضنها، تركتُه وأخذتْ مكانه الوسادة!
* ما ظروف كتابة مجموعتكَ القصصيّة؟
ـ تتناول في سياق سردها مشاعر الإحساس بالظلم والقهر والكبت والحرمان التي تنتاب المواطن العربي من المحيط إلى الخليج، ويعيش وقائعها بكامل الأحزان والآهات، وعنوان المجموعة جاء جامعا ومعبرا عن محتوى ما تضمنته من قصص، فتصدير إرادة الحياة وتكميم الأفواه وطغيان الفساد بألوانه المختلفة، حملني على بري القلم والتسلح بالقرطاس وخوض غمار التعبير عما يجيش في صدري من مَشاهد فظيعة أثرت في كياني أيما تأثير، الكاتب الذي لا يتأثر بما حوله من مخاضات وإرهاصات مجتمعه، ولا يؤثر في أفراده هو مفلس فكريا وإبداعيا.
* هلْ تَنشُط ضِمن جمعيّة ثقافيّة؟ وما نشاطاتكَ الأدبيّة؟
ـ أنا من بين الأعضاء المؤسسين لـ»الشبكة الجزائرية للإعلام الثقافي»، لكن للأسف نشاطي معها جـمَّدتُه لظروف خاصة، وهي تحتضن الكثير من الوجوه الثقافية والإعلامية، وعلى رأسها الزميل محمد بغداد الذي أُكنُّ له كل التقدير والاحترام.
نشاطاتي الأدبية لا تخرج حاليا عن نطاق شغف المطالعة ومداومة الكتابة وفق الاستعدادات النفسية ومتابعة الملتقيات الأدبية حسب مقتضى الظروف، وهنا أشير، إلى الكاتب أن يقرأ كل ما يقع بين يديه من إصدارات، ثم عليه أن يختار بعد ذلك ما يتلاءم مع قناعاته ومنطق تفكيره وأسلوب منهجه، حتى يستلهم التفرد في الآراء والتميز في الإبداع.
* ماذا قال النُّقّاد عن قصصكَ؟
ـ لا أخفي سرا إذا ما قلت، كانت ولا تزال كل كتاباتي مرافقة مع فتح حسابي عبر موقع التواصل الـمجتمعي «فيس بوك»، الذي بعث فيّ هِمّة العودة إلى الحرف، وأخذ بيدي إلى متعة الإطلاع على الجديد، وبناء علاقة التواصل الفكري مع قامات أصحاب الأقلام، الذين لم يبخلوا عليّ ببصمات إعجاباتهم وبتفاعلاتهم الراقية وتعقيباتهم المشجعة ونقدهم البَنّاء، لما أنشره من إنجاز قصصي في مختلف المواقع الإلكترونية، حيث أصبحت المتنفس الأكبر لي لإيصال أفكاري وتلمس موقعها من المتلقي.
* كيْف تَرى الأدب دُون نقد؟
ـ في البدء، أعلن، أن الأدب دون نقد، مثله كمثل الأعمى دون عصا، فالنقد ملازم للأدب، و إن كان الأدب ذا أسبقية في الوجود عن النقد، فالنقد هو الغربال الذي يفرز العمل الأدبي بناءاً على مجموعة من المؤهلات التي من شأنها أن تؤدي إلى الكشف عن قيمته لدى المتلقي، وبالتالي يتاح له القبول والرواج والخلود، ومن هنا لا بد من النقد ليعزز مكانة الأدب، ويسمو بالذوق العام.
* هلْ شاركتَ في مسابقات قصصيّة؟ وما رأيكَ في لجان التّحكيم؟
ـ لقد سبق لي أن شاركت في العديد من المسابقات القصصية لا سيما تلك التي تنظم على مستوى المواقع الإلكترونية… ولقد نلت فيها شرف الحصول على مراتب متقدمة ومشجعة، و كان فيها التحكيم نزيها وموضوعيا، والتقويم ظهرت فيه الجدية، والحرص على إعطاء كل ذي حق حقه.
* ما طموحكَ الأدبيّ ومشروعاتكَ؟
ـ طموحي الأدبي أتمنى أن يتسع أكبر في مجال الإبداع الأدبي والتألق في سمائه، وأن أكون في خدمة الثقافة الرسالية. وتنحصر مشروعاتي المستقبلية ـ إن شاء الله ـ في جمع وترتيب ما نسجته أناملي ونشره في كِتاب.
* اختر قصّة قصيرة للقرّاء.
ـ أختار قصّة قصيرة موسومة «انزياح» تحصلت على المركز الثاني في المسابقة الأدبية الكبرى في دورتها الرابعة من تنظيم «رابطة عزف الأقلام الأدبية» و»صالون الأدباء العرب».
«عَصَفتْ بِروحِه الرِّياحُ، أَتَتْ على جذْوَتِها الْمُتوَهِجَة، تبَخَّرَت أَحْلامهُ مع أوَّل خيْط دُخان، سَلَخَ مِن عُمْرِه سَنَوات في متاهات الضَّياع، وفي وَمْضَة من التَّنْوير، رُفِعت عَنْه الْغِشاوة، نَهَج دَرْبه».
* ما رؤيتكَ لتنظيم الـمَكتبات العموميّة بيْن الـمجالس الشّعبيّة البلديّة ومديريّات الثّقافة؟
ـ رؤيتي لواقع تنظيم المكتبات العمومية بين المجالس الشعبية البلدية ومديريات الثقافة، أملي أن تحكمها علاقات متكاملة ومنسجمة، يكون الهدف منها خدمة الفعل الثقافي وتأصيله في امتدادات مكونات بِناء المجتمع، وهذا لا يتم إلا عن طريق جملة من الأنشطة والفعاليات الثقافية، والسعي الجدي في الكشف عن المواهب الشابة و رعايتها بما يتلاءم و إمكاناتها، وتشجيع الطاقات الإبداعية وتدعيمها بما هو متاح في حدود المستطاع، والأهم هو نشر الوعي الثقافي عبر هذه المحطات، وضبطه على إيقاع معايير أخلاقية سامية، تساهم في دفع جمهرة المتلقين إلى تبني الفعل الثقافي بحب وصدق.
* هلْ تُؤيّد فكرة تنظيم الـمَعرض الدّوليّ للكِتاب كُلّ عام في مدينة جزائريّة بدل تنظيمه في العاصمة وحدها؟
ـ فكرة تنظيم المعرض الدولي للكِتاب كل عام في مدينة جزائرية بدل العاصمة وحدها، فكرة جيدة، ولا أعترض عليها، بالـمَـرّة، بالعكس فهي تشارك في تقريب الكِتاب للمواطن، وتعميم رواجه أكثر، وفي الوقت ذاته تخفف على المواطن مشقة الانتقال إلى العاصمة، وعليه ينبغي التفكير الجدي في تنفيذ هذه الصيغة على أرض الواقع، وإعطائها ما تستحقه من عناية حتى تؤتي أكلها.
* أيّ كِتابٍ تَقرأ حاليا؟
ـ الكِتاب الذي بصدد قراءته حاليا، هو مجموعة قصصية للأديب محمد الكامل بن زيد عن دار علي بن زيد للطباعة والنشر ببسكرة، تحت عنوان «تجاعيد آسرة»، تحتوي المجموعة على عشرين نصا قصصيا، موضوعاتها تتوزع على ما بين اجتماعية وثقافية ذات أسلوب شاعري جذاب ممتع.
* ما أجـمل ذكرياتكَ؟
ـ أجـمل ذكرياتي التي ما تزال منقوشة في الذاكرة إلى الآن، يمكن أن أضعها في مَشهد عام، يتمثل خاصة في يوم زفافي ببلدتي ليشانة عام 1978 م الذي اكتسب صيغة العفوية ودون إنفاق باذخ وتكاليف باهظة، وهذا حسب ذلك الوقت الذي كانت فيه العادات والتقاليد هي في حكم الإلزام، وقد كان الزفاف بهيجا، ومَـرّ في أحسن الظروف، ومما أضفى عليه بهجة، هو ارتباطي بزوجة ذات خُلق وجَـمال.
* في ظلّ الظّروف الحالية على مستوى العالَم العربيّ؛ هلْ تَرى الثّقافة تَخدُم الأُمّة؟ وكيْف؟
ـ في الظروف الراهنة التي يعيشها الواقع العربي، نرى من الواجب على المثقف، أن يتحمل مسؤوليته في تصحيح الأوضاع، والعمل على إعادة القطار إلى سكته، وهذا لن يتأتى إلا بتضافر جميع الجهود، القائمة على نبذ الخلافات الإيديولوجية والعقائدية والفكرية، والتوجه على صعيد واحد لنشر ثقافة السلم والسلام ونشر الوعي المعرفي والثقافي عبر مختلف المنابر الإعلامية، والنزول إلى الشارع والاحتكاك بالمواطن العادي، والتشبُّع بروح الشجاعة في مواجهة الحقائق بكل صراحة ودون تخاذل، وتأسيسا في ضوء ما سبق، نخرج بنتيجة مفادها، أن الثقافة هي البِناء الذي تستند إليه المجتمعات في تطوير قدراتها الإبداعية، وتحسين ظروفها التنموية.
* وجِّه رسالة إلى وزراء الثّقافة العرب؟
ـ رسالتي إلى وزراء الثقافة العرب تنحصر فيما يأتي: أن يربوا بأنفسهم عن كل الحساسيات. أن يواجهوا الوقائع بكل بسالة وجــرأة ويعالجوها بحكة وتبصر. أن يجتهدوا في خدمة أوطانهم بحب وإخلاص. أن يسهروا على نشر الثقافة الهادفة ذات الرسالة النبيلة. أن يولوا اهتماما كبيرا وخاصا للثقافة وللمثقفين المبدعين. أن يدعموا الكِتاب ويشجعوا على طباعته وتسويقه على أوسع نطاق.
* نترك لك مسك الختام.
ـ في مِسك الـخِتام، لا يسعني إلا أن أتقدم بوافر الشكر والامتنان لصحيفة «المراقب العراقي»، وللقائمين عليها وللكاتب الصحفي جـمال بوزيان، على إتاحة هذه الفرصة النادرة الثمينة لي للإطلالة على القراء الكرام من خلال هذا المنبر الإعلامي، الذي يسهر بكل هِمّة وتفانٍ على تشجيع المواهب الشابة، وتدعيم المبدعين، حتى ينالوا حظَّهم من الرعاية والاهتمام، من المسؤولين بالقطاع الثقافي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.