سياسة ترامب ضد إيران؛ حفظ بعض ماء الوجه..!

وضع الرئيس الأمريكي نفسه في خانق ضيق، عندما غنى خارج سرب حلفائه الأوربيين، في قضية التعاطي مع الملف النووي الإيراني.
أوربا تريد علاقات بناءة؛ قائمة على أساس الإتفاق مع جمهورية إيران الإسلامية، التي أثبتت إلتزامها به، ليس كرما لعيون الغربيين، أو خوفا من تهديدات الأمريكان، بل لأنها مؤمنة إيمانا راسخا، بأن الطاقة النووية وجدت لإسعاد الشعوب، وتوفير حاجاتها السلمية، وليس من أجل إمتلاك القوة الغاشمة، كما هو حال دول الغرب النووية ، وبضمنها الولايات المتحدة الترامبية طبعا!
بالحقيقة أن تجارب الشعوب ليست وقفا عليها، وهي برسم الإنسانية يمكنها النهل منها، وتفيد تلك التجارب أن معظم الشعوب، تستفيد من عثراتها وسقطاتها، وتتجاوز بشجاعة آثار نكباتها، وبنت الشعوب على ركام إخفاقاتها نجاحات باهرة، ولم تسقط في فخ مغادرة أصالتها أو قيمها وتراثها.
على الضفة المقابلة؛ تقف أمم أخرى على النقيض من ذلك تماما، كأنما وضعت على عيونها ما يحجب النظر لواقعها، أو رؤية ما جاورها وعاصرها أو سبقها من حضارات، وبدت وكأنها فقدت أو تخلت صاغرة عن وجدانها الجماعي، فلا دافع ذاتياً يدفعها؛ لأن تأخذ مكانتها المفترضة بين الشعوب المتحضرة، وصار همها الأول هو أن تنظر الى أيدي الآخرين، متطلعة الى ما يجودون به من عطاء، يتكرمون به عليها مقابل ثمن باهظ، هو كرامتها المسفوحة على مسطح الحاجة، وجمهورية إيران الإسلامية ليست من هذه الأمم بالتأكيد!
أنكى من هذا أن من الأمم؛ من لا يخجله أن يفتح أبناؤه أفواههم ،طلبا للمساعدة الغذائية في كل وقت وحين، مع ما في ذلك من ارتهان لمصائرها بيد الآخرين.
لقد كان في كل من اليابان وألمانيا والصين وإيران، نماذج عن أزمات عرفتها أمم؛ يختلف بعضها عن بعض كثيرا أو قليلا، لكنها تلتقي؛ في أنها استوعبت جميعها دروس الماضي، وأيقنت أن صناعة مستقبلها كما تريده، يرتكز بالأساس على إرادة صلبة، وأن استغلال مواردها وثرواتها، ينبغي أن يتم بالتوازي مع استثمار الإنسان، فبه تنهض الأمم؛ وتتقد فيها جذوة بناء الذات، واستقلالية القرار وسيادة الأوطان، بعيدا عن روح الإتكالية على الغير…
وفي المثال الإيراني المجاور لنا، من الواضح أيضا أن أزمة أمريكا الترامبية مع إيران، ليست متعلقة ببرنامجها النووي؛ وتهديدها السلم والأمن العالميين، كما يصدح بذلك شدق الرئيس الأمريكي الواسع، ولكن لأن الإدارة الأمريكية يسوؤها أن ترى غيرها، يمتلك ناصيته بنفسه دون أن يرتهنها لديه.
لقد صَعُبَ على ترامب وإدارته، أن يتفهموا نهضة الجمهورية الإسلامية، واعتمادها على قدراتها الذاتية في الرقي، ولذلك حركت الإدارة الأمريكية أدواتها، لإحداث شغب وتوترات في إيران، ضمن مخططها الشرير المضاد لإيران، غير ان الرد الأيراني، ورغم كل آلة التهديد والوعيد، جاء لا يحتمل التأويل: «نحن ماضون ولو كره الكافرون!».
كلام قبل السلام: لذلك وكي يحفظ بعض ماء وجهه، إن كان في وجهه بعض ماء، ولكي يبقى محافظا على تسريحة شعره التي هي كل ما يمتلك، لجأ ترامب الى تراجع مذل عن تهديداته، بأن مدد تجميد العقوبات على إيران، وللمرة الأخيرة كما قال، وهو يعرف أنها لن تكون الأخيرة قطعا، لا سيما أنه سيكون وحده دائما..!
سلام..

قاسم العجرش

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.