من فصول الحرب

فِي سياق البحث عَنْ معالجاتٍ تفضي إلى حلولٍ لما ظهر مِنْ مشكلاتِ البيئة فِي عالمٍ يعج بمعضلاتٍ وحروب وأزمات اقتصادية متنامية، يؤكد غالبية العلماء فِي الشأنِ البيئي  أَنَّ نصفَ ما تتخلص مِنه البشرية بصورةٍ نفايات قابل للتحويل، حيث بالإمكانِ مواجهة مشكلة تبديد ثروة النفايات بحلولٍ عملية قابلة للتطبيق، ما يعني أَنَّ الوقت قد حان – بحسبِ العلماء – لإعلانِ الحرب عَلَى النُفايات الَّتِي أصبحت تتراكم وتعلو طبقات فوق أخرى، فعَلَى سبيل المثال لا الحصر يشير علماء أمريكان إلى أَنَّ مدينةَ كاليفورنيا كانت لغايةِ عام 1990م، تنتج نحو خمسة وأربعين مليون طن مِن النُفايات سنوياً، وهو ما يكفي لأكساءِ أربعة أجنحة مِن الشوارعِ الكبرى بعمقِ ستة أقدام عَلَى امتداد المسافة ما بَيْنَ مدينة أوريغون والحدود مع المكسيك. وَأَدْهَى مِنْ ذلك أَنَّ النُفاياتَ فِي تلك المدينة تميل نحو التكاثر، حيث سجلت التوقعات نمواً يصل إلى أربعةٍ وخمسين مليون طن فِي العام الواحد مع نهاية القرن الماضي. ومِنْ المعلومِ أنَّ ذلك الواقع يؤشر يومذاك ما ستؤول إليه الأمور فِي المستقبل إذا لم تفلح البلدية فِي العثورِ عَلَى المساحاتِ اللازمة لتغطيةِ حاجة مكبات النفايات.

لم يبقَ أمام مجتمع تلك المدينة غير سبيل واحد يتمثل بإعلانِ السلطات المحلية حربها عَلَى النفايات، وَالَّتِي كان مِنْ أبرز أسلحتها السرية العمل عَلَى خفضِ كميات النُفايات وإعادة تدويرها، بالإضافةِ إلى الشروعِ فِي سَنِ القوانين الأشد فعالية. وهكذا أعلنت الحرب الشاملة عَلَى النفايات فِي جميعِ أرجاء مدينة كاليفورنيا منذ عام 1990م، حيث قررت قيادة إدارة التعامل مع النفاياتِ الشروع بتخفيضِ حجم النُفايات الصلبة فِي المدينة مِنْ أجلِ الوصول بِها إلى نسبةِ (50%) فِي عامِ 2000م. وضمن هذا الإطار، ركزت الاستراتيجية المذكورة آنفاً اهتمامها عَلَى جميعِ مصادر النُفايات المحتملة، والمتمثلة بالمنازل، المستشفيات، السجون، المعاهد، المكاتب، المطاعم، المحال التجارية، المزارع والمصانع. وقد تعززت هذه الرؤى باعتمادِ برنامج تربوي أشير إليه باسمِ «المشهد عن قرب»، وَالَّذِي استهدف الأطفال بدءاً مِن الحضانة مرورا بالصفوفِ الأخرى وانتهاءاً بمرحلةِ الدراسة الثانوية، فضلاً عَنْ ركونِ تلك الإدارة إلى جملة آليات مِنْ بَيْنَها توجيه البرنامج عبر لغات متعددة قصد استهداف ما تباين مِن الحضاراتِ لدى سكان تلك المدينة؛ لأجلِ توحيد جهودهم المشتركة فِي هذا المجال. المذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ معاركَ تلك الحرب حققت نتائج واعدة منذ مراحلها الأولى، حيث أكدت البيانات أنَّ النُفاياتَ انسحبت إلى مواقعٍ خلفية فِي عامِ 1995م، عَلَى خلفيةِ انخفاض كمية النفايات الَّتِي يتم جمعها بنسبةِ (25%). ولعلّ مِن المناسبِ الإشارة إلى أنّ وعيَ السكان المحليين بأهميةِ تلك المواجهة كان محفزاً لتعزيزِ الجهود الرامية إلى الإقلال مِنْ النُفايات، وَلاسيَّما التقيد بتدويرِ الورق والألمنيوم والزجاج والحديد ومواد البناء واللوازم المنزلية والإطارات والبلاستيك، ما يعني المساهمة فِي إزالةِ أطنان مِن النُفايات الموجهة إلى مجمعِ النفايات. كذلك ساهمت البرامج التربوية فِي تعليمِ السبل المناسبة للتعاملِ مع النُفايات المنزلية الخطيرة والزيوت المستعملة، إلى جانبِ تفاعل أصحاب المنازل مع أهدافِ البرنامج مِنْ خلالِ جمعِ المواد القابلة للتدوير والتخلص مِنْ أعشابِ الحدائق.

خلاصةُ القول إنَّ تحدياتَ المستقبل فِيما يتعلق بمشكلةِ النُفايات – بحدودِ مضامين موضوعنا – تعتمد عَلَى ما بوسعِ المجتمع الركون إليه مِنْ التدابيرِ المعبرة عَنْ سبلِ التوجيه فِي الحاضر.

فِي أمَانِ الله.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.