Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

مــــرافــئ فـــي ذاكـــرة يحيـــى السمـــاوي

لطيف عبد سالم

20

مَا قَدْ لا يَعْرِفُهُ الكثير مِنْ القراء، أنَّ مدينةَ السَماوة الَّتِي أنجبت العَديد مِن الشعراءِ وَالأدباء وَالفنانين وَغيرهم مِن المبدعين فِي مجالاتِ الحياة الأخرى، كانت إلى عهدٍ قريب قضاءاً تابعاً لمتصرفيةِ ـ محافظة ـ الديوانية، قبل أنْ يرفعَ مستواها الإداري ـ فِي اليومِ السادس وَالعشرين مِنْ شهرِ حزيران عام 1969م ـ بقرارٍ حكومي الى درجةِ لواء، ثم مَا لبث أنْ أصبحت ثاني أكبر محافظة فِي العراق مِنْ حيث المساحة وَالأقل مِنْ ناحيةِ السكان عَلَى خلفيةِ تطبيق «قانون المحافظات» فِي الأولِ مِنْ شهرِ تشرين الأول عام 1969م، وَالَّذِي أفضى أيضاً إلى تغييرِ اسْمها إلى محافظةِ «المثنى» نسبة إلى اسْمِ القائد الإسلامي المثنى بن حارثة الشيباني.
بالاستنادِ إلى مَا تقدم ذكره آنفاً، فإنَّ تحقيقَ الحلمِ الَّذِي كانت تعول عليه عائلة السَماوي يحيى، والمتمثل بانتظامِ ابنها فِي «دارِ المعلمين الإبتدائية»، لا يمكن حدوثه إلا عن طريق الوجود فِي مدينةِ الديوانية الَّتِي كانت تشكل يومذاك مركز ذلك اللواء، مَا يعني تنعمها بالحصةِ الأكبر مِن الدوائر الرسمية قبالة شحتها أو عدم توفر بعضها فِي المدنِ الأخرى وإنْ كانت مناظرة لها مِنْ حيث الدرجة الإدارية، حيث أنَّ المعاهدَ وَالمدارس الرسمية كانت قليلة وقتذاك، فضلاً عَنْ تركزِها فِي مراكزِ الألوية والمدن الحضرية، وهو الأمر الَّذِي يقضي بضرورةِ سفره إلى مدينةِ الديوانية؛ جراء تيسر المعهدِ المذكور آنفاً، وَالَّذِي يتيح له إكمال دراسته، لكن المذهل فِي الأمرِ أَنَّ السَماويَ حين اجتاز مرحلة الدراسة المتوسطة بنجاح، استبدل رغبته بتطلعاتِ والديه، حيث ذهب إلى إدارةِ ثانوية السَماوة مِنْ أجلِ مواصلة دراسته فيها بدلاً مِنْ السفرِ لمدينةِ الديواني لتقديمِ أوراقه إلى دارِ المعلمين الإبتدائية.
تَـعِـبـتُ مـن الــغِــراسِ بـلا حَـصـادِ
ومـن جـرحٍ يـعــزُّ عـلـى الــضِّــمـادِ
لــئِــنْ عـانـدتُ أوجـاعـي فــعــذري
حــبــيــبٌ لا يــمــلُّ مــن الــعِـــنــادِ
شــربــتُ زفــيــرَهُ خـمـراً فــأحــيــا
بِــلــذَّتِـهِ الــهــشــيــمَ مــن الـــرمــادِ
مَـلـكـتُ مـن الـطـبـاقِ الـسـبـعِ خـمـسـاً
بـهِ والـــمُــسـتــحــيــلَ مــن الـــمُــرادِ
لـهُ نـســجَ الــفــؤادُ الــنــبــضَ ثــوبــاً
وأضـحـى كـالــشــغــافِ مـن الــفــؤادِ
بـلــغــتُ بـهِ الــهــيــامَ فــلــيــتَ أنـي
جـنحـتُ الى الـجـنـونِ عـن الــرَّشــادِ
أتـانـي والـــرُّقــادُ الــى شــــروقٍ ..
وغـادرَ والـــشـــروقُ الــى رُقــادِ ..
ومـا خـوفـي عــلـى عــيــنـيَّ لــكــنْ
أخـافُ عـلـى الـلـيـالـي مـن سُــهـادي
أَمْرٌ شَدِيدُ الأَهَمِّيَّةِ أنَّ عزوفَ السَماوي عَنْ الإقدامِ عَلَى الدراسةِ فِي دارِ المعلمين الإبتدائية بمدينةِ الديوانية، لَمْ تَكُن دوافعه فِي واقعِها الموضوعي مرتبطة بظرفٍ قاهر كالتفكير بالأعباءِ الاقتصادية الَّتِي تترتب عَلَيها رحلته المفترضة إلى الديوانيةِ فِي ظلِ تواضعِ مدخولات عائلته، فوالده كان مستعداً للتضحيةِ بكُلِّ شيء فِي سبيلِ مَا يراه مصلحة لابنِه، وَالَّذِي لا يتعدى ـ بحسبِ مَا تواضع مِنْ أحلامه ـ أكثر مِن حصوله عَلَى شهادةِ دار المعلمين الإبتدائية، ووالدته كانت تمني النفس بتكحيلِ عينيها فِي مشاهدةِ وليدها معلماً؛ لأجل أنْ يكون محط أنظار المحلة وَتقدير الأهالي وَاهتمامهم مثلما هو حال خاله علي «رحمه الله». كذلك لَمْ تَكُن لتلك الدوافع علاقة بحساباتٍ أخرى، وَلا سيَّما مَا يعود مِنْها إلى انفعالاتٍ مردها إلى تأثيرٍ عاطفي قد يفرض عَلَيه ضرورة البقاء فِي مدينتِه.
المتوجبُ إدراكه أنَّ السببَ الحقيقي وراء قيام السَماوي فِي اتخاذِ قراره بمواصلةِ الدراسة فِي المرحلةِ الثانوية، وَالَّذِي ترتب عَلَيه غضب والدته الحميم «طيب الله ثراها» وَحزنها، يرجع إلى طموحِه بدخولِ «الجامعة» لكي يصبح مدرساً للغةِ العربية؛ نتيجة تأثره بابن مدينته وَأستاذه مدرس مادة «اللغة العربية» فِي المرحلةِ المتوسطة الأستاذ شمخي جبر، وَالَّذِي كان لطول قامته وَرشاقته وأناقته، فضلاً عَنْ كونِه ضليعاً فِي اللغةِ العربية دورٌ كبيرٌ فِي تمتعه بـ»كاريزما» جميلة، حيث كان مهاباً وَمحبوباً مِن الطلبةِ وَالمدرسين عَلَى حدٍ سواء، مَعَ العرضِ أنَّه تسنم فيما بعد منصب مدير عام التربية فِي محافظةِ بابل. وَأكاد أجزم أنَّ الأستاذَ شمخي جبر الَّذِي جعله يقرأ قصيدته الأولى فِي غرفةِ المدرسين، بالإضافةِ إلى نشره قصيدته الثانية فِي مجلةِ المدرسة كما أسلفنا، كان الشخص الثاني الذي تأثر به السَماوي يحيى بعد والده الَّذِي كان معلمه الأول ومثله الأعلى.
داويـتُ جُـرحـي ـ والـزّمانُ طـبـيـبُ ـ
بـالـصّـبــرِ أطـحـنُ صـخـرَهُ وأذِيـبُ
لا أدّعـي جَـلَـداً.. ولـكـنْ لـلـهــوى
حُـكْـمٌ يُـطـاعُ بـشـرْعِـهِ الـمـحـبـوبُ
أسْــلـمْــتُـهُ أمـري.. وأعْـلـمُ أنـنـي
حَـطـبٌ.. وأمّـا دربُـهُ فـلـهــيــبُ
طـاوَعْـتُـهُ رُغْــمــاً عـلـيَّ.. لأنـهُ
كُـلّـي: صِــبـاً وفـتـوَّةٌ ومَــشِــيـبُ
جَـرَّبْـتُ أنْ لا أسْـتـجـيـبَ فـعـابَـنـي
شَـرَفي وهـدَّدَ بالـخِـصـامِ نـســيـبُ
هو من غصوني طيـنُهـا وجذورُهـا
هـل للغـصونِ من الـجـذورِ هُـروبُ؟
حـيـناً يُـنيـبُ ضُحايَ عن ديـجـورِهِ
قـسْـراً وحـيـنـاً عن ضُـحـاهُ أنـوبُ
و رأيـتُ أنّ الأصـغـريـن تـعـاضـدا
ضِـدّي وشــدَّ إلى الـبـعـيـدِ قـريـبُ
كُـتِـبَ الـوفـاءُ عـلـيَّ دون إرادتـي
فـالـلـوحُ قـبـل ولادتـي مـكـتـوبُ
أجـفـو نـعـيـمَ الـمـارقـيـن وإنْ سعى
ليْ مـنهُ صـحـنٌ بالـرحـيـقِ خضيبُ
ثُــلـثـا دمي مـاءُ الـفـراتِ وثـلـثـهُ
طـيـنٌ بـدمـعِ الـمُـتْـعَـبـيـن مَـذوبُ
ما أظننا نغلو فِي القولِ إنَّ تلكَ الواقعة ـ الَّتِي حالت دُون بلوغ المرامي العائلية المتعلّقة ببوصلةِ التوجهات المُسْتَقْبَليَّة لابنِهم ـ تُعَدّ انعطافاً حقيقياً فِي مسارِ حياة السَماوي، حيث أفضى إلى إحداثِ تغييراتٍ جوهرية فِي نمطِ حياته نحو مَا متاح مِن الآلياتِ الَّتِي مِنْ شأنِها زيادة مخزونه الثقافي وَالفكري؛ لأنَّها كانت تعبيراً عَنْ رغبتهِ فِي بناءِ شخصيته، وَالعمل عَلَى إنضاجِها قصد تكاملها بالاستنادِ إلى مَا يحقق تطلعاته وَأهدافها الطموحة.
حزنُ أمه «رحمها الله» بسببِ صرفه النظر عَنْ الدراسةِ فِي دارِ المعلمين الإبتدائية، قابله فِي الجانبِ الآخر موقف أبيه «رحمه الله» المتمثل بتركِ حرية الإختيار لابنه فِيما يبغي، وَهو الأمر الَّذِي ساهم فِي جعلِه أكثر قوة وَكفاءة وَثقة بالنفس. وَفِي ظلِ تلك الظروف الَّتِي أصبحت مِنْ شظايا العمر، انتظم «الفتى المتمرد» فِي الدراسةِ بثانويةِ السَماوة وَهو يشعر بسعادةٍ وَنشوة نفسية مستمدة مِنْ تحليقه فِي عوالمِ أحلامه، وَالَّتِي قد يبدو القليل مِنْها لِمَنْ هو بمثلِ سنه صعب التحقق، وَلا سيَّما مَنْ يحيا فِي وطنٍ تكبل شعبه جدائل الليل وَتتضح ملامح البؤس فِي وجوه أبنائه. وَلَعَلَّنا لا نبالغ إذا قُلْنَا إنَّ أحلامَ السَماوي لَمْ تكن رهينة التحليق فِي عوالمٍ مجهولة، فثمة ما يجعله مؤمناً بإمكانيةِ تحقيقها وهو «الحب» الذي أبى أنْ يفارقَ قلب السَماوي، وَلَمْ يختزل مداده يوماً، عَلَى الرغمِ مِما أَحَاقَ برحلته فِي الحياةِ مِنْ مواجهةٍ دائمة مَعَ أعاصيرِ الطغيان وَعسس الاستبداد، مَا جعل حياته محفوفة عَلَى الدوامِ بالمخاطرِ أكثر مِمَا ينبغي.
وَالمتوجبُ إدراكه أيضاً هو أَنَّ السَماويَ حتى فِي منفاه كان متميزاً، إن لَمْ يكن متفرداً بعد أنْ ساقته الأقدار إلى الاستقرارِ فِي أبعدِ شبرٍ مِنْ سطحِ كوكبنا، فكان أنْ عاشَ الغربة مرتين، بَيْدَ أنَّه لَمْ يترجل عَنْ صهوةِ الشعر، وَلَمْ يتوقف بوحه عَن الوطنِ ـ الَّذِي تغنى بعذوبةِ فراته وَهام بكُلِّ ذرّةٍ مِنْ ترابِه ـ وَلا عَنْ قضايا الإنْسَان. وَلعلَّ فِي إحدى دراسات الشاعر المصري الدكتور حسن فتح الباب حسن النقدية مَا يؤكد هذه الرؤية، وَالَّتِي يقول فِيها: «.. وما أكثر المثقفين العراقيين وفي طليعتهم الشعراء مثل محمد مهدي الجواهري وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري الذين عانوا مرارة الإضطهاد في وطنهم وقسوة الشعور بالإغتراب، فحطوا رحالهم في المنافي لينجوا من القتل أو السجن، ولكن هذه المنافي كانت بلدانا عربية أو دولا مثل إنجلترا تقيم بها جالية عربية وإسلامية كبيرة فلم يشعروا بالغربة إلآ قليلا. أما يحيى السماوي فلم يجد ملجأ يأوي إليه إلا هناك في أبعد بقعة من الكرة الأرضية، ومن ثم تضاعفت مأساته الوجودية.
ومن هذه البقعة النائية جاءتنا قصائده التي تصور عشقه للوطن والحرية وتوقه الى الخلاص من أعدائها، واشتدّ حزنه وألمه حين تحرر العراق من الطاغية السفاح ليقع في قبضة الغزاة الأمريكان الذين يتشدقون بحقوق الإنسان وفي مقدمتها الحق في الحياة والحرية والعدالة وهم أعدى عُداتها».
قـدْ ثـابَ لـو أنَّ الـجـنـونَ يَـثـوبُ
وأجـابَ لـو أنَّ الـقـتـيـلَ يُــجـيـبُ!
صَـبٌّ ولا كالـعـاشـقـيـن: ضـلوعُـهُ
نـخـلٌ.. وأمّـا قــلــبُــهُ فـشـعـوبُ!
قـد كان أقـسَـمَ أنْ يموتَ على هوىً
وإنِ اسْـتهـانَ بـعـشـقِـهِ الـمحـبـوبُ
ضـاقـتْ بـهِ قـبـلَ الـدِّيـارِ صَـبـابـةً
وتــقــاذَفَــتْـهُ مـلاجـئٌ.. و دروبُ
مـا إنْ يُـكـحِّـل بالـشـروقِ جـفـونـهُ
حـتى يُـخـيـطَ الـمـقـلـتـيـن غـروبُ!
يمـشـي بهِ الوَجَعُ الجـلـيـلُ ويـرتعي
دمَـهُ اشــتــيـاقٌ: أنْ يُـطِـلَّ حـبـيـبُ
تـلـهـو بـزورقِـهِ الـرّيـاحُ وتـسْـتـبـي
أيامَـهُ ـ فـي الـغـربـتـيـنِ ـ خـطـوبُ!
«ليلاهُ» في حُضـنِ الغريبِ سـبـيـئةٌ
أمّـا الـعــشــيـرُ: فـبـائِـعٌ ولـغــوبُ!
أجَـلِ الـبـلادُ نـجـيـبـةٌ يـا صـاحـبـي
والـنهــرُ والـنـخــلُ الجـريحُ نـجـيـبُ
لكنّ «بعضَ» رؤوسِــنا يا صـاحـبي
جُـبِـلـتُ عـلى فَـسَــدٍ فـلـيـسَ تـثـوبُ!
غـرسـوا بـنـا سُـلَّ الـشّـقـاقِ فـلـيـلُـنـا
مُــتـأبِّــدٌ.. ونـهـارُنـا مـعــصــوبُ!
بِـتْــنـا لـفـأسِ الـطـائـفـيّـةِ مَـحْـطـبـاً
فـلـكـلِّ حـقـلٍ «مـالِـكٌ» و»نـقـيـبُ»!
عِـلَـلُ الـعـراقِ كـثـيـرةٌ.. وأضـرُّهـا
أنّ الـجـهـادَ: الـذَّبـحُ والـتـســلـيـبُ!
وطـنٌ ولـكـنْ لـلـفـجـيـعـةِ.. مـاؤهُ
قــيـحٌ.. وأمّــا خـبـزُهُ فــنـحــيــبُ
مـســلـولـةٌ أنـهـارُهُ.. ومـهـيـضــةٌ
أطــيـارُهُ.. ونـخــيــلُـهُ مـصـلــوبُ!
«قومي هـمو قـتلـوا أميمَ أخي» ولا
ذنـبٌ ســوى أنّ الـقــتـيــلَ لـبـيــبُ!
أكـذوبـةٌ تـحـريـرُنـا يـا صــاحـبـي
والــشّـاهـدانِ: الـقـتـلُ والـتـعـذيـبُ
أكــذوبـةٌ حُــريّـةُ الإنــســان فـي
وطـنٍ يـسـوسُ بـهِ الـبـلادَ غـريـبُ
مُـدُنٌ تُـبـادُ بـزعْــمِ أنَّ مُـخَـرِّبـاً
فـيهـا وطـبعُ «محرري» الـتخـريبُ!
وحْـشــيَّـةٌ تـنـدى لـقـســوةِ نـابِـهـا
خَـجَـلاً: ضـبـاعُ بـلادهِ والـذِّيـبُ!
أكـذوبـةٌ أنْ يــسـتـحـيـلَ غــزالـةً
ذئـبٌ وبـيـتـاً لـلأمـانِ حـروبُ

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.