Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

يحيى بن زياد الفرّاء

حميد كاظم العكيلي

كان علي بن حمزة الكسائي رأس مدرسة الكوفة النحوية قد أغرته العروض المغرية من السلطان في بغداد وسال لها لعابه , فخلّف الكوفة وراء ظهره وجعلت أقدامه تنهب الأرض نهباً ليحل في دار خلافة المأمون وهي من أعمال السوء أن نجد العلماء يلهثون للتقرب إلى الحكام حباً بالجاه والمال .
ثم تمضي الأيام والشهور والسنون لا تلوي على شيء وإذا نحن نرى أبا زكريـــا الفراء في دار خلافة المأمون , قد ساقته قدماه أملاً بالحظوة كما ساقت من قبله الكسائي .
وينقل لنا ثمامة بن أشرس أحد أئمة المعتزلة وكان له اتصال بالمأمون أنه دخل دار الخلافة يوماً وملأت بصره صورة رجل ذي مهابة , قادته فراسته الى التقرب من ذلك الرجل وأخذ يفاتشه عن اللغة فوجده بحراً , وعن النحو فوجده نسيجاً عجيباً , وعن الفقه فوجده فقهياً وبأيام العرب وأشعارها حاذقاً ثم يسرّ ذلك الرجل في أذن ثمامة أنه يحيى بن زياد الفرّاء, الذي ذاع صيته العلمي بين الناس , فتسرع بثمامة خطاه الى المأمون ليخبره بخبر يثلج صدره أن الفراء ينتظر الأذن للدخول اليه , ثم تبتسم الأقدار للفرّاء ليكون أستاذاً ومؤدباً لولدي المأمون بعد أن عبست بوجهه وأسرته الفقيرة ردحاً طويلاً .
ولد الفرّاء في الكوفة سنة أربع وأربعين ومئة للهجرة وكانت الكوفة إذ ذاك مقصد الطلبة وغصّ مسجدها الجامع بالدارسين , كيف لا وهي مقام إمام المتقين علي بن أبي طالب (ع) وهي منزل الصحابة وموطن الأدب والرواية والقراءة والحديث.
وفي هذه البيئة الجادة , نشأ الفرّاء نشأة أولاد الفقراء الذين لا يملكون من حطام الدنيا شيئاً لكن الله الوهاب القدير أغنى ذهنه بذكاء وقّاد ودقة الحس وفطنة قلّ نظيرها .
وعوداً إلى بدء ما بدأت به الكلام , فما علاقة الكسائي بالفرّاء ؟ فلا عجب أن الرجلين من مدرسة الكوفة النحوية ثم صارا مقربين من المأمون , وخشي الكسائي في بادئ الأمر من هذا المنافس الجديد في دار الخلافة وخاف أن يذهب به بعيداً عنها , لكنّ الاثنين اتفقا ونسّقا جهدهما فيما بعد ليطيحا بآمال سيبويه في دخول دار خلافة المأمون , فخطط الاثنان ومن شدّ أزرهما في عقد مناظرة بين الكسائي وسيبويه في المسألة الزنبورية :- قد كنت أحسب أن العرب أشد لسعةً من الزنبور فإذا الزنبور هي أو فإذا الزنبور إياها بعينها.
فأصرّ سيبويه على الوجه الأول وهو رأي بصري وأجاز الكسائي الوجهين على رأي مدرسة الكوفة .ولم يغلط سيبويه إذ تلقى العلم على يد أستاذه الخليل , وحكم من كان في المناظرة بعد ان رتبت الأمور ترتيباً لرأي الكسائي , فامتلأت نفس سيبويه ألماً ممضاً لهذه المؤامرة الدنيئة , وعاد أدراجه حيث كان , وكأن القدر شعر بتأنيب الضمير !! بعد أن خذله أمام منافسه فأراد أن يريحه من آلامه فدفن تحت أطبــــــاق الثرى لكنه ظل كالطود الشـــــامخ علوّاً وعلماً وأمانة ونبـــــاهةً وصدقاً رغم توالي القرون.
مكانته العلميــــــــة
ورد عن ثعلب أنه قال لولا الفراء لما كانت العربية ولسقطت لأنه خلّصها , ولأنّها كانت تتنازع ويدّعيها كل أحد.
ونقل أبو بديل الوضاحي أن المأمون أمر الفراء ان يؤلف كتاباً ما يجمع به أصول النحو.
وقال عنه ابن الأنباري ((لو لم يكن لأهل بغداد والكوفة من النحاة إلاّ الكسائي والفرّاء لكفيا)).
وقال هناد :- كان الفراء يطوف معنا على الشيوخ ولا يكتب فظننا انه كان يحفظ .
ومن آرائه الجديدة التي ثارت لها ثائرة البصريين ذهابه الى أن ((خالد)) في قولنا :- قام وقعد خالد. فاعل للفعلين جميعاً , فالفاعل عند البصريين معمول للفعل, ومحال أن يجتمع عاملان على معمول واحد.
والفرّاء هو صاحب التفسير المعروف لرفع الفعل المضارع الذي يجري على ألْسِنة المعربين منذ أكثر من ألف عام :- يرفع الفعل المضارع لتجرده عن الناصب والجازم.
مؤلفــــاته
منها كتابه ((معاني القرآن)) نموذج حي يقتضيه المنهج الحديث في تفسير القرآن الكريم , وهو بعيد عن الغيبيات التي أتخمت بها بطون كتب التفسير وعن تحميل النصوص القرآنيـــة أكثر مما تحتمل من تفسيرات دخيلة لا يحتملها نص مفروض فيه أن يكون نصاً أدبياً يهدف إلى أغراض دينية نفسية.
وقد قال ثمامة في فضل كتابه (ولو لم يكن للفراء من آثار إلّا كتابه ((معاني القرآن)) لرفعه الى درجة الخالدين ) وله كتاب الحدود الذي فصّل ابن النديم فيه القول وأفاد منه أبو الطيب المتنبي وتأثر به ونحا في شعره منحى الكوفيين.
وقد عني الفراء عناية بالقرآن واعتدّ بكلام العرب وهذا مما منح دراسته قوة وحيوية وجعل الآراء الكوفية ألصق بواقع اللغة.
وتتبع الفراء ((حتى)) و أراد أن يصيب منها مقتلاً ويستوفي ما لها من وظائف لغوية ونحوية لكنها أعيته وإستعصت عليه فكانت كمن :
يعطيك من طرف اللسان حلاوة
ويروغ عنك كما يروغ الثعلب
وفــــاته
وفي سنة سبع ومئتين للهجرة انطفأت تلك الشعلة الوهاجة والجد والدأب الخالص في خدمة اللغة العربية وغادر أبو زكريا الحياة وفي نفسه شيء من (حتّى) وما أَعْظَمَ أمانيَّ العظام!!

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.