مــرافــئ في ذاكرة يحيـى السماوي

25

لطيف عبد سالم

السَماوي القادم مِنْ بيئةٍ جغرافية جُبلت منذ عقودٍ طويلة عَلَى «الآه» بسببِ مكابدة أهلها مِنْ شدةِ المعاناة الناجمة عَنْ إهمالِ ولاة الأمر وَسوء أداء مَا تعاقب مِنْ الإداراتِ الحكومية، تحققت أمنيته الَّتِي خالف بِها ـ فِيما مضى ـ رغبة والديه «طيب الله ثراهما»، وَأصبح طالباً جامعياً بعد دخوله قسم اللغة العربية بكليةِ الآداب فِي الجامعةِ المستنصرية. وَعَلَى الرغمِ مِنْ إدراكِ الفتى أَنَّ الطرقاتِ لَمْ تكن وردية أمامه، لكن المثير للاهتمامِ أَنَّ حجمَ المعاناة الَّتِي عاشها وَكانت مدينته البائسة تعيشها، وَالَّتِي تمظهرت بأبشعِ صور الفقرِ وَالجهل وَالمرض، لَمْ تفت فِي عضدِه، وَلَمْ تفضِ إلى نتيجةٍ تجعله ينظر إلى الحياةِ بوصفِها باردة وَكئيبة، وكأنه يتناصص مَعَ مَا ضمنه المؤلف الايرلندي الشهير جورج برنارد شو فِي قولِه: «طالما لدي طموح فلدي سبب للحياة»؛ إذ أَنَّ مَا حفرته الأيام فِي دمه مِنْ ألمٍ ممض، لَمْ يكن قادراً عَلَى إشعارِه بموجباتِ ركوب موجة الخيبة أو الخذلان «لا قدر الله»، وَلَمْ يكن بوسعِه جعل السَماوي يحيد عَنْ تمسكِه ببذلِ قصارى الجهد فِي التعلمِ وَتطوير القدرات مِنْ أجلِ الاطمئنان عَلَى مُسْتَقْبَله، فالأمل يحدوه فِي أنْ تتاحَ له الفرصة كاملة لإبرازِ مَا يمتلكه مِنْ إمكانياتٍ وَمواهب، وَهو مَا جعله أكثر إصراراً عَلَى النجاحِ وَالتميز وَالإبداع بالحصولِ عَلَى مَا متاح مِن المواردِ التعليمية، فالوصولِ لمبتغاه ـ الَّذِي مِنْ شأنِه تشريف أسرته وَرفع اسْم مدينته وَخدمة بلده ـ يبقى ارتهان النهل مِن العلومِ وَمواصلة سُّبُل المعرفة. وتحضرني هُنَا مقولة الشاعر البحريني قاسم حداد، وَالَّتِي مفادها: «كيف تريد أن تكتب وأنت لم تعد تقرأ؟ ولا تحسن الإصغاء، ولا تحاول فك أبجدية المعرفة، القراءة زيت قنديلك، أيها القابع في عتمة الثقة».
ليس خافياً أنَّ الانتقالَ مِنْ مقاعدِ الدراسة الثانوية إلى الوسطِ الجامعي، يُعَدّ بالمقاييس كافة فعالية ممتعة، فالجامعة تُعَدُّ بحسبِ علماء الاجتماع وَالمُتَخَصِّصين فرصة ذهبية لإقامةِ شبكة علاقات اجْتِماعِيَّة بمقدورِها المُسَاهَمَة فِي سلامةِ بناءِ مُسْتَقْبَل الطالب المهني، العِلْمِيّ والاجْتِمَاعِيّ، إلا أنَّ دخولَ الطالب هَذَا العالم الجديد قد يجعلها مخيفة بعض الشيء، وَأكثر صعوبة فِي الوقتِ نفسه بسببِ جهله الكثير عَنها، فالطالب الجامعي الَّذِي يواجه بدايةً مَا تمليه عَلَيه مسؤوليته الكاملة عَنْ كُلِّ مَا لَه شأن بحياتِه وَخصوصياته، ملزم بالتأقلمِ مَعَ محيطه الجديد الَّذِي جُل مفاصله مِن الغرباء، إلى جانبِ مَا تفرضه عليه تلك الحياة مَنْ ضرورةِ تكوين صداقات ـ بعيداً عَنْ أسرته وَقدامى أصدقائه ـ مَعَ زملاء لا يعرف الكثير عَنْ عاداتِهم وَأطباعهم، مَا يتطلب السرعة فِي إدراكِ الحاجات الَّتِي بوسعِها تعزيز عملية التأقلم فِي الحياةِ بصفحتِها الجديدة الغنية بالصداقاتِ الحديثة، فضلاً عَما تمنحه بيئة الجامعة مَنْ فرصةٍ مناسبة لتغييرِ مَا يرغب بتغييره الطالب مَنْ عاداته القديمة. كذلك يفرض المحيط الجديد الحرصِ عَلى حسنِ التصرف، وَالسعي لتصحيحِ الأخطاء حال الشعور بِها، إلى جانبِ الجهد فِي إيجادِ مَا تقتضي مشكلاته مِنْ معالجاتٍ وَحلول سليمة.
مثلما تقول الحكمة الصينية «الإنسان الَّذِي لا يتعلم، شأنه شأن الأَرْض الجرداء الَّتِي لا تنبت شيئاً»، كان السَماوي عند انتقاله للدراسةِ فِي العاصمةِ حريصاً عَلَى عملِ كُلِّ مَا بوسعِه تدعيم ثقته بنفسه، وَالمساعدة عَلَى تَّنْمِيَةِ حصيلته اللغويّة، فأمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ أنَّ الثَّقَافَةَ وَالمعرفة نتاج القراءة، وَالَّتِي أوضحت الدراسات أهميتها فِي ترويضِ النفس وَالفكر، وَتَّنْمِيَة قدرة الفرد عَلَى مواجهةِ أعباء الحياة، فضلاً عَنْ دورِها فِي المُسَاهَمَةِ بزيادةِ مستوى ذكاء الفرد وَتَّنْمِيَة اتّجاهاته مِنْ أجلِ خدمة المُجْتَمَع؛ لذلك ظل السَماوي مصرّاً على أنْ يملأ عبق ورق الكتب وَالمطبوعات زوايا مَا أتيح لَه مَنْ مستقرٍ فِي بغداد، بالإضافةِ إلى كُلِّ فضاءٍ غير مشغول بمنزلِ أسرته فِي السَماوة. ولعلَّ مِن المُناسِبِ الإشارة هُنَا إلى ومضةٍ سجلها السَماوي يحيى فِي صفحته بأحدِ مواقع التواصل الاجْتِمَاعِيّ «موقع فيس بوك» بعد مَا يقرب مِنْ خمسةِ عقودٍ مَنْ تاريخ دخوله الجامعة، وَالَّتِي يقول فِيها:
مـنـذ أنْ غـرقَ زورقُ رجـولـتـي فـي بـحـرِ أنـوثـتـكِ
وأنـا مـتـشـبِّـثٌ بـطـوقِ عـشـقـك!
يَبْدُو أنَّ بوابةَ الحياة الجامعية وَتحقيق الرغبة فِي الانتظامِ بقسمِ اللغة العربية ـ كلية الآداب، جلبت للسَماويِّ الإلهام وَالمتعة، مثلما يؤكدها بقوله: «لو سُئِلتُ عَن أجملِ سنوات عمري، لمَا ترددتُ فِي القولِ إنها سنوات مرحلة دراستي الجامعية»؛ إذ لَمْ تمضِ غير بضعة شهور عَلَى دراسته حتى وجد نفسه يقضي وقتاً فِي حدائقِ الكلية أكثر مما يقضيه داخل الصف، مَعَ العرضِ أَنَّ حدائق الكلية لَمْ تكن تحفل بالزهور، وَأشجارها لا تعرف الثمر، بَيْدَ أنَّ تلك الحدائق كانت تشبه سجّادة فارسية مطرّزة بالطالباتِ الجميلات. وَالمثيرُ للاهتمامِ أَنَّ السَماويِّ كان طالباً متميزاً فِي موادِ النحو وَالبلاغة وَالنقد الأدبي، لكنه كان يحرص عَلَى حضورِ محاضرات أساتذة بعينهم: الدكتور علي جواد الطاهر، الدكتور عناد غزوان، الدكتور هادي الحمداني، الدكتور جلال خياط، الدكتور كمال نشأت ـ مصري الجنسية ـ أضحى صديقه وقد اختار نصاً مِنْ نصوصِه لكتابِه الموسوم «الشعر وَالثورة» الَّذِي أصدرته وزارة الإعلام آنذاك، الدكتور نمير العاني، الدكتور عبد الحسين الفتلي وَالأستاذ علي عباس علوان الَّذِي لَمْ يكن وقتذاك يحمل شهادة الدكتوراه. وَمِنَ الْمُفِيدِ الإشارة هُنَا إلى أَنَّ السَماويَّ يحيى أصدرَ ديوانه الثاني الموسوم «قصائد فِي زَمَنِ السبيِّ وَالبكاء» يوم كان طالباً فِي كلّيةِ الآداب عام 1971م.
خـرجـتُ مـن ثـيـابـكـم مـقـبـرةِ الأحـيـاءْ
مُـقـاتـلاً.. ســيـفـي دمـي
جـيـوشـيَ الـعـشـاقُ والأطـفـالُ والـنـسـاءْ
خـرجـتُ لـلـفـضـاءْ
أبـحـثُ عـن جـزيـرةٍ جـديـدةٍ
أبـحـثُ عـن ســمـاءْ
غـيـر الـتـي كـان أبـي يـعـبـدهـا
فـقـد رفـضـتُ الـيـومَ أنْ أعـانـق الـمـوتـى وأنْ أقـلّـد الأشـيـاءْ
أنـا هـو الـنـهـرُ الـذي جَـفَّ.. أريـدُ الـمـاءْ
أنـا هـي الأرضُ الـتـي تـبـحـثُ عـن سـمـاءْ

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.