Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

قراءة في كتاب «المسرحيات المفقودة»

د. وليد جاسم الزبيدي

بين الفينةِ والأخرى، يُتحفُنا الأستاذ الدكتور علي محمد هادي الربيعي بكتابٍ وبحثٍ يثيرُ إيقاعَ النقاش وجدليةَ الحوار، فقد خبَرَ الربيعي تاريخ المسرح وساهمَ في كتبه بوضع اللبنات الأولى بخصوص المسرح الحلي في كتابه (تاريخ المسرح في الحلة)، واليوم يطلّ علينا بكتاب أصيل يضيفُ للمسرح العراقي وفيه من الجدّةِ والتفرّد، ومن الآراء المهمة التي تقلب الكثير من التوقّعات والأفكار التي جاءت بها كتب المسرحِ وما أنجزهُ باحثوه. قرأتُ الكتابَ أربع مرّات وفي كل مرّة يضيفُ لي الباحثُ معلومةً جديدةً وفكرةً و رؤية، سأقفُ عندَ هذا الكتاب الجانب  المهم في هذا الكتاب، والذي حفّزني أكثر لقراءته مرّات عدّة، أن هذا الكتاب يدخلُ في علم التحقيق، وهو علمٌ وفنّ، لا يستطيع كل باحث أن يبزّ فيه أو أن يخرجَ بنتائج موفّقة، فالتحقيق يحتاج الى دراسةٍ و درايةٍ و دربةٍ وخبرة، وهكذا إنماز هذا الكتاب بمادّته وأصالته وخطورته.وللتحقيق هوىً في نفسي فقد كانت رسالة الماجستير وأطروحة الدكتوراه في تحقيق مخطوطة مهمة ونفيسة في الأدب العباسي، لذلك أعرفُ أن طريق التحقيق والإيغال فيه وسبر أغواره ليس بالشيء الهيّن أنما هو أن تنفثَ روحاً في جسدٍ ميّت،وأن تجعلَ من كلمات طيّ النسيان بائنةً للبحث والعيان.
وصف الكتاب
عنوان الكتاب (المسرحيات المفقودة لنعوم فتح الله سحار ـ دراسة ونصوص)، ط 1، 2014م ـ 1435هـ، دار صفاء للنشر والتوزيع ـ عمان.عدد صفحات الكتاب (512 صفحة)، واحتوى الكتاب على مقدمةٍ وقسمين، القسم الأول: الدراسة والتحليل وضمّ ستة فصول، والقسم الثاني: النصوص المسرحية، خمسة نصوص، ثم الخاتمة، فالمصادر والمراجع. وكان الإهداء الى الأب الدكتور بطرس حداد. وفي الصفحة رقم 19 كانت صورة تاريخية جميلة للباحث مع المرحوم الدكتور بطرس حداد.
قراءة الكتاب
تولّدتْ فكرة هذا الكتاب، وكانت مشكلة البحث والعقدة،هي الأسئلة المطروحة من الطلبة في كيفية وماهية ظهور المسرح العراقي، لماذا.. متى.. وأين..؟ وظلّتْ هذه الإشكالية والمشكلة يبحث عنها وفيها الباحث، وقد جعلهُ هذا البحث أن يكدّ ويسعى في دربه للتنقيب في مكتبات شتى، إلاّ انهُ وجدَ ضالّتهُ أخيراً في كنيسةٍ، فتحتْ لهُ أبوابَ المجهول ووضعت بين يديه مفاتيح الحل، وهكذا نجد حرص الباحث الحقيقي لدخول كل الأماكن العبادية ليستقي منها، خصوصاً أن أصول الفن الأولى انطلقت من الكنائس والأديرة، كما وأن نفائس التراث العربي والإسلامي حافظت عليه دور الكهنوت النصراني، بل وأن معظم الذين أرّخوا للغة العربية وآدابها كانوا نصارى أمثال الأب أنستانس الكرملي، وما قدّمهُ المحقق والمفكر الأب لويس شيخو وما قدّم من خدمةٍ للفكر والأدب العربي، وكذلك ما قدّمهُ العالم الجليل فؤاد سزكين من خدمات جليلةٍ للغة العربية والتراث العربي عموماً في كشّافاته الموسوعية لأهم المخطوطات، وكذلك ما قدّمه الأستاذ الجليل كوركيس عواد والقائمة تطول..حينما نبدأ قراءةَ الكتاب، أوّلُ ما يطالعنا، الغلاف فالعنوان ( المسرحيات المفقودة دراسة ونصوص)، وأرى أن عملَ الباحث هنا هو تحقيق مخطوطة فريدة ونادرة من النصوص المسرحية، فكان من الأفضل أن يكون العنوان: (المسرحيات المفقودة ـ دراسة وتحقيق نصوص)، ثمّ الصفحة الأولى من الكتاب، حيث الطبعة الأولى سنة 2014م- 1435هـ ، في حين تم إهداء الكتاب لي من الأستاذ المؤلف في 20/ 12/2012م أي أننا لا نزال في سنة 2012م ووضع الناشر سنة 2014م أي عجّل سنتين في الطبع، والصحيح يكون سنة الطبع 2013م- 1434هـ.
وفي الصفحة رقم (7) المحتويات الفصل الأول ذكرَ السيد الباحث: حياتهُ ومسرحهُ، وكان من الأجدر أن يضع العنوان الأول والرئيسي والذي جاء لأول مرّة لكي يكون القارئ على علم ودراية بما يضمهُ هذا الفصل دون وضعه عائماً، حياة نعوم فتح الله سحّار ومسرحهُ.أمّا المقدّمة (ص: 9) فكانت رائعةً وضافيةً وتوطئةً لدليل القارئ، كما أن اللغة التي استخدمها الباحث لغةً راقيةَ لا شائبةَ فيها كما استخدمَ مفرداتٍ وألفاظاً فيها من العذوبة والطراوة والفكر؛ إلاّ أنهُ حشرَ في المقدمة موضوعاً مهماً ويجب أن تكونَ لهُ مكانة مميزة في الفصل الأول بعد موضوع وصف المخطوطة، أن يكون موضوع : منهج تحقيق المسرحيات(المخطوطة)،حيثُ ذكرَ الباحث منهجهُ في تحقيق المخطوطة حيث امتدّ منهج تحقيق المخطوطة الصفحات 15،16، 17، 18.. ومن المفروض أن يكون كل هذا الكلام والمنهج بعد الصفحة 33 الحالية.
أنّ المخطوطة نتعامل معها تأريخياً هي أصل ووحيدة حيث أنها جميعاً نتاج حقبة زمنية واحدة سنة 1890م، وهذا يضعُ مسؤوليةً على السيّد الباحث أن يضعَ بعض الصفحات التي تُمهّد للحياة الثقافية والسياسية للقرن التاسع عشر الميلادي، القرن الثالث عشر الهجري، حيث سيجيبُ في هذه الصفحات، وفي هذه الإلتفاتة، حولَ سؤالٍ مهم، لماذا كانتْ النصوص المسرحية الخمس، الأولى من نتاج عقلية وفكر القرن التاسع عشر الميلادي؟ ثم أن الإضافة الجديدة المسرحيات الأربع هي نتاج ذات القرن، حيثُ ترتّبت عليه زيادة رصيد عدد المسرحيات العراقية.لقد كانت دراسة الباحث متأنية وعلمية في نصّ كل مسرحية، في دراسة الحبكة والفكرة واللغة،..ولكل نصّ خصوصيتهُ وبيئتهُ ولغتهُ.. وفي هذا الباب ظهرت عدّة إشكاليات في النصوص أشار لها الباحث منها: إشكالية المكان حيث كانت بيئة معظم النصوص غربية ( فرنسا، النمسا، أسبانيا..) سوى النّص الذي جاء بعنوان (إيّاك ومعاشرة الأشرار) فأحداثهُ تدورُ في لبنان. وترى أن التعامل مع النّص واختيار اللغات وليس اللغة الواحدة مشكلاً على المترجم أو الذي قام بإعداد النّص ليكونَ نصّاً مسرحياً، ففي الوقت الذي تجري أحداث المسرحية في فرنسا أو النمسا أو اسبانيا تجد المترجم أو المُعدّ قد استخدمَ لغةً عربيةً فصحى (مُكسّرة) أو مفسودة(كما عبّرَ عنها الباحث)،وهذه اللغة مخلوطة باللغة العامية وأكثر محليةً باللهجة الموصلية، تتخللها مفردات وجمل بالتركية والكردية والفارسية، وأحياناً كلمات بالفرنسية والايطالية وهكذا..كما تتخللُ النّصَ الأشعار والزجل أحياناً؛ مما يجعل القارئ يتصوّر أن الأحداث وقعت وتُدار في الموصل، وقد كان هدف صاحب النصوص من ذلك تقريب الصورة للمشاهدين وتسهيل المهمة للفهم وهدف النّص .
وقد أصبحَ هذا النوع من التراجم – بعد حين- سُنّةً لدى المسرحيين العراقيين في ترجمة ونقل النّصوص الأجنبية، حيث يقوم يُسمى (تعريق النّص) أي وضع النّص باللهجة المحلية العراقية وكذلك البيئة عراقية . وهذا يُسجّل للإعداد وهذه حسنة.والإشكاليةُ الأخرى التي تقعُ فيها النّصوص بل المصنّفات في التراث العربي عموماً، تجد لكل مصنّف عدداً من المسمّيات أو العناوين، فتجد مصنّفاً واحداً يضعُ لهُ المحقّقين تسميات مختلفة وهذا ما يقع في دائرة أوهام المحقّقين، حيث تجد بعض النّساخ يضع ويجتهد في وضع عنوان لمصنّف لكون الغلاف تالفاً أو وجود تلف في العنوان أو وجود خرم أو أي سبب آخر.. وهكذا ما نجدهُ كذلك في المخطوطات التي تهتم بالمسرح، حيث وردت عناوين مختلفة لمسرحيةٍ واحدة كما تم التعليق عليها من الباحث في مسرحية( الفتيان الأسيران) أو (الأميران الأسيران) حيث ترد في بعض المصادر والمراجع؛ ومسرحية ( الرأس الأسود) حيث وردت في بعض المراجع (الأمير الأسير) وهكذا..
وما دامت النّصوص جُمعتْ من رجل دين وتم تقديمها وعرضها في الكنائس والأديرة فإن هدفها أخلاقي وتعليمي، ونتيجةً لهذا الجانب والأخلاقي والاجتماعي آنذاك حوّرَ(سحّار) النّص بما ينسجم وشخصيات المسرحية ولعدم وجود عنصر أو شخصية نسائية كان يشير إليها عن طريق طفل أو ظل أو أية صيغة مسرحية ليغطي الخلل في عدم وجود المرأة على المسرح. وكذلك نلاحظ أن المخطوطة حالها حال معظم المخطوطات جاءت ووصلت عن طريق كتابة الناسخ، وليس صاحب المخطوطة الأول لذلك وقعَ الناسخ في أغلاط وأخطاء وأوهام لغوية وإملائية وهذا ما أشار لها البــــاحث في الهوامش.
أن تحقيقَ مخطوطةٍ فيها لغات ولهجات مختلفة تحتاج الى جهد لغوي استثنائي فضلاً عن معرفة الحال الاجتماعية لمدينة الموصل التي تمتاز بثرائها اللغوي والاجتماعي والسياسي والثقافي، مما تشكّلهُ من تنوّع وتأثر بحضارات أمم وشعوب قريبة منها كتركيا وإيران والشام. لهذا وجدَ الباحثُ أمامهُ سيل من الأمثال واللغات واللهجات، وتعاملَ مع هذا الكل المجتمع معاملة باحثٍ ومحقّقٍ يهدفُ الى كشف الحقيقة. باركَ الله بالأستاذ الدكتور علي محمد هادي الربيعي الذي أضافَ للمكتبة العربية وللمسرح العراقي وتأريخه جوهرةً أخرى تُسجّلُ له، ولا بُدّ لنا هنا أن نحيي كل علماء النصرانية الذين أحيوا تراثنا العربي الخالد وساهموا في تحقيق مخطوط أو وضعوا فهرسةً أو أسّسوا وأرّخوا.. وتحيةً للرجل الكريم والعالم الجليل الأب الدكتور بطرس حدّاد!

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.