السيف والفتوى

31

د. حيدر فرحان الصبيحاوي

تنشر (المراقب العراقي) كتاب (السيف والفتــوى) لـ د. حيدر فرحان الصبيحاوي، الصادر عن مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية. ويوثق الكتاب ويؤرخ لجرائم الابادة الجماعية التي تعرض لها العراق من العصر الاموي وحتى العصر العثماني.على العموم  نقول كيف يكونون مرتدين وقد صلٌوا مع خالد بن الوليد وجماعته عندما حلُوا بفنائهم، ثم أن أبا بكر نفسه أبطل هذه الدعوى الكاذبة بدفعه ديٌة مالك من بيت مال المسلمين واعتذر عن قتله، والمرتد لا يُعتذر عن قتله ولا تدفع ديته من بيت المال. ولم يقل أحد من السلف الصالح أن مانعي الزكاة ارتدوا عن الإسلام إلا في زمن متأخر عندما حاول البعض جهدهم أن يبرروا أفعال تلك الجرائم لأنهم عرفوا أن سباب المسلم فسوق وقتاله كفر.
لعل ثقافة الإبادة الجماعية أخذت محلها بوضوح في التاريخ الإسلامي منذ تولي معاوية بن أبي سفيان شؤون الشام وتحديداً بعد عزله من الإمام علي بن أبي طالب (ع) عند توليه الخلافة وتمرد معاوية والخروج عن طاعة ولي الأمر العادل.
لقد ذكرت كتب التاريخ قيام معاوية بحملة من غارات التقتيل والتخريب والإبادة الجماعية في الأمصار الإسلامية التي كانت في طاعة الإمام علي (ع) كي يدخل الرعب في نفوس الناس ممن كانوا على غير رأيه، ففي أحدى غاراته دعا سفيان بن عوف الغامدي للإغارة على الأنبار، وقال له: (اني موجهك في جيش كثيف.. فأقتل من لقيته ممن ليس على مثل رأيك، وأخرب كل ما مررت به من القرى)، وامتثل سفيان الغامدي لأمر سيده فحمل بخيله على الآمنين، وملأ البيوت والأزقة بجثث القتلى، وحمل ما وجد من الأموال، ورجع إلى معاوية وقال له: (والله ما غزوة أقر للعيون، ولا أسر للنفوس منها).
كما دعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري وجهزه بثلاثة إلى أربعة آلاف جندي للإغارة على أطراف الكوفة ضد كل من كان في طاعة الإمام علي (ع) وأنفذ الضحاك أمر سيده، وأسرف في القتل والفتك فكان يقتل كل من رآه في طريقه، وأغار على قافلة الحجاج، فأخذ أمتعتهم ثم قتل جماعة منهم، وكان من بينهم العبد الصالح عمرو بن عميس بن مسعود، وهو ابن أخ عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله (ص).
بهذه النصائح الدموية كان معاوية يزود عصابات الإرهاب ويحثهم على القتل والإبادة وسفك دماء الأبرياء، وكان يعتمد أسلوب الغارات المفاجئة والهجوم الخاطف ثم الفرار والمواراة عن الأنظار، كما يفعل أحفاده اليوم من الإرهابيين الدواعش.
نجد أن معاوية أصبح أكثر قسوة ودموية بعد أن أصبحت مقاليد حكم الدولة الإسلامية بيده سنة (41 هـ/ 661 م) بعد استشهاد الإمام علي (ع) وتنازل الخليفة الخامس الإمام الحسن (ع) عن الخلافة، فقد جند معاوية سماسرته وأعوانه في نشر الظلم والجور حيث جاء عن ابن أبي الحديد: (استعمل معاوية زياد بن سمية على العراق، فكان يتتبع الشيعة، فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل وطردهم وشردهم عن العراق).
تذكر المصادر التاريخية أنه عندما قدم زياد الكوفة صعد المنبر وخطب خطبته الأولى فحصبه الناس بالحجارة، فجلس حتى أمسكوا، ثم أمر جماعته أن يمسكوا أبواب المسجد وجلس هو على كرسي، وقال: (ليأخذ كل رجل منكم جليسه ولا يقولون لا أدري من جليس). ودعا الناس أربعة أربعة للقسم وكانوا يقسمون (بالله ما منا من حصبك). وكان يخلي سبيل الذي يقسم ويحبس من لا يقسم حتى بلغ الذين حبسهم ثلاثين وقيل ثمانين رجلاً، فقطع أيديهم في المكان نفسه.
تلك كانت البداية اذن أما ما تبعها فكان تتويجاً لتلك السياسة والفكر الذي حمله وروج له وعاظ السلاطين من مرتزقة الكلمة والقلم المأجور، فكانت حملات زياد بن أبيه على العراق إبادة بلا هوادة و لا رحمة وكان يجمع الناس ويعرض عليهم البراءة من الإمام علي (ع) فان أبوا أقام بهم السيف كما يذكر ذلك المسعودي في مروج الذهب حيث يقول: (كان زياد جمع الناس بالكوفة بباب قصره يحرضهم على لعن علي فمن أبى عرضه على السيف). ويذكر الطبري أنه قتل في البصرة والكوفة فقط ثلاثة عشر ألفاً لأنهم من شيعة علي.
كما استعان زياد بن سمية، بسمرة بن جندب الشقي الأثيم، التي سودت جرائمه وجه التاريخ وصحائف السير، وكان في زمان النبي معروفاً بالنفاق والتمرد ومن موبقات سمرة ومردياته أنه كان يبيع الخمر بعدما حرمها الإسلام فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فقال: (قاتل الله سمرة، ان رسول الله قال: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها).
ولما آل الأمر الى معاوية استعمله زياد على البصرة نائباً عنه، فأسرف في قتل الأبرياء، وإزهاق الأنفس بغير حق، فقد حدث محمد بن سليم، قال: (سألت أنس، هل كان سمرة قتل احداً؟ فاندفع انس بحرارة والتأثر بادٍ عليه قائلاً: وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب؟ استخلفه زياد على البصرة وأتى الكوفة، فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس، فقال له زياد: هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً؟ فانبرى ابن جندب معلناً عدم اهتمامه بإراقة دماء المسلمين قائلاً: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت). وقال أبو سوار العدوي: (قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن)، ولعله قصد انه قتل سبعة وأربعين رجلاً ممن جمعوا القرآن الكريم، إضافة إلى من قتلهم من غير هؤلاء.
وكان هذا الطاغية يقتل على الظنة والتهمة، فقيل له: (يا سمرة، ما تقول لربك غداً؟ تؤتي بالرجل فيقال لك هو من الخوارج، فتأمر بقتله، ثم تؤتى بآخر فيقال لك ليس الذي قتلته بخارجي إنما وجدناه ماضياً في حاجته فشبه علينا، وإنما الخارجي هذا، فتأمر بقتل الثاني؟ فأجاب سمرة عما انطوت عليه نفسه من الوحشية والإجرام، وما طبع عليه من الزيغ والضلال، قائلاً: وأي بأس في ذلك؟ إن كان من اهل الجنة مضى الى الجنة، وإن كان من اهل النار مضى الى النار).
بقي سمرة ملازماً لزياد، فلما هلك صار بخدمة الأثيم الوغد ابنه عبيد الله فكان مديراً لشرطته، واشترك معه في أفظع جريمة سجلها التاريخ وهي قتل سيد شباب اهل الجنة، وريحانة رسول الله (ص) الحسين (ع)، فكان يحرض الناس على حربه والخروج الى قتله. وما فعل سمرة هذه الموبقات إلا إرضاء لمعاوية وأبنائه، وقد قال بعدما تم عزله عن ولاية البصرة: (لعن الله معاوية، والله لو اطعت الله كما اطعت معاوية ما عذبني أبداً).
بعد أن أسس معاوية إمبراطورية ذات النمط الوراثي في الحكم متعلقاً بأغراض دنيوية وتسيره المصالح الذاتية قام في سنة (49 هـ/ 669 م) بالتمهيد لأخذ البيعة لابنه يزيد في ولاية العهد، ولما مات معاوية سنة (60 هـ/ 680 م) أصبح مصير الأمة الإسلامية بيد يزيد بن معاوية وكان ليزيد انجازات في الدموية والتدمير ففي ثلاث سنوات وهي مدة حكمه قتل عترة رسول الله (ص)، وأباح الحرم، وخرب الكعبة.
تعدّ واقعة الطف الأليمة في كربلاء المقدسة إبادة جماعية قتل فيها عترة الرسول الأكرم وآل بيته وأصحابه ولم ينجوا منهم حتى الأطفال، ولعل بعض الباحثين ممن يجافون الحقائق التاريخية أو أولئك الذين يحاولون أن يجدوا مخرجاً وتبرئة لجريمة يزيد في قتل عترة النبي وآله وأصحابه يذهبون إلى القول بأنها حرب بين جيشين أو يذهب آخرون إلى القول أبعد من ذلك عندما يدعون بأن الإمام الحسين جاء بطلب من أهل الكوفة ليتسلم زمام الحكم الدنيوي لغرض تشويه حقيقة الثورة الحسينية العظيمة وغيرها من الأقاويل البعيدة عن الواقع.حتى لو وضعنا هذه الآراء موضع نقاش وجدلية فأن المنطق العقلي والمبادئ العسكرية وساحات القتال ترفض وبشكل قاطع هكذا نظريات خاوية، إذ ليس من المنطقي ومن غير المعقول والمقبول أن يتوقع انتصار مجموعة من الثوار المؤمنين لا يتجاوز عددهم (73) رجلاً على جيش يفوقهم عدة وعدد أضعاف مضاعفة بمئات المرات، كما أن واقع الحال يفرض رأياً غير ما يرون وهذا ما نقتبسه مما قاله الإمام الحسين (ع) لابن الزبير في مكة قبل مسيره إلى العراق عندما طلب منه ابن الزبير أن يقيم في المسجد ويجمع له الناس لبيعته فقال له الإمام: (والله لأن أقتل خارجاً منها بشبر أحب إليُ من أن أقتل داخلاً منها بشبر، وأيم الله لو كنت في حجر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا في حاجتهم، ووالله ليعتدن علي كما أعتدت اليهود في السبت). هذه المقالة تظهر بشكل واضح وجلي أن الهدف هو قتل الحسين وآله وأصحابه كونه يمثل خط الممانعة الأول لطغيان بني أمية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.