رواية «الملك في بجامته» ممثلة لأدب ما بعد الحداثة

احمد العتبي

سألني قبل مدة سائلٌ حول أدب ما بعد الحداثة في الرواية، فأجبته حينها جواباً أقنعه إلى حدٍ ما، إذ لم يكُن بإمكاني منحه شرح الكثير في أسطر قليلة وكان لزاماً عليّ أن أحظى بفرصة لقائه وجهاً لوجه لنتحاور في الأمر وأبين له ما التبس عليه وكيفية تمييز السرد ما بعد الحداثة من بين عدة أشكال
في الصنعة الروائية.وهأنا أفي ببعض مما وجدتُ نفسي مُقصراً في بيانه وتبيينه في حينه لذاك الرجل، إذ وجدتُني مشدوداً بشكلٍ كبير لأتمّ قراءة رواية (الملك في بجامته) للأستاذ خضير فليح الزيدي الصادرة عن دار الرافدين بطبعتها الأولى لعام 2018.
وقد عودتنا تلك الدارُ بإدارتها وكادرها على طرح كل مميزٍ في شتى المجالات، منذ تأسيسها وحتى انطلاقتها القوية بفرعها في بغداد، وخطوتها الجريئة بافتتاحه وحتى يوم الناس هذا.
وحسبُنا الآن الكلامُ عن الرواية تلك، لئلا أشتت انتباه القارئ بما قد لايكون له به طاقة، في سعيه للحصول على الخلاصات والمعلومات بأوقات قياسية دون الحاجة إلى بذل المزيد من الجهد والوقت.
تنتمي الرواية ـ في نظري ـ إلى ذلك النوع من الأدب وفق ما بينتُ في أعلاه، وهي تقع في مئتين وتسع وسبعين صفحة من القطع المتوسط المُعتاد في أربعة عشر باباً كما قسّمها صاحبها، ابتدأها بثلاثة تقارير سبقهُنّ بما يُشبهُ الحكمة، والتي وجه فيها رسالة كبيرة بقليل الكلمات للمجتمع بأسره شيبه وشبابه ومشايخه، إذ كتب فيها:
«قلتُ له:
• لم ينطق الملك بالشهادتين، كما لم يكبر قاتلُه في أثناء القتل. فيا شيخي الجليل حفظكم الله، ماحكمهما؟؟
بسمَل ثم حوقلَ واعتدل في جلسته ليقول:
• النار ثم النار تحتَ أقدام القاتلِ والمقتول» ص 4.
ومن تحليل النص يمكننا تمييزُ تلك الرسالة، السياسية والاجتماعية والدينية التي نحنُ في غنى عن شرحها، فلو اردنا ذلك لأقحمنا انفسنا في نقاشات وردودٍ وربما في نظر بعض القرّاء شبهات كثيرة، فليقرأها من شاء ويحللها على هواه، ولنعُد إلى ما نحنُ فيه.
● أبطال الرواية وفضاؤها:
الرواية متعددةُ الأبطال، يستمرُّ بعضهم منذ أول اسطرها وحتى نهايتها، بينما يدخلُ ويخرجُ آخرون، يؤدون وظائفهم الحكائية، بتتابُع سردي مُثير، فلكلٍ منهم رسالة يؤديها ضمن وحدة الموضوع، مع تعدد وسائل إيصال فكرة الروائي بأساليب سردية متنوعة، من الشخصيات الأساسية المُدان جميل قره تبي المحكوم بالإعدام لارتكابه جريمة الخيانة العظمى، ويمثل الشخصية البغدادية الكلاسيكية المرحة غير مبالية بما يجري حولها، يرقص ويضحك ويسكر ويرافق هذه وتلك، ويتحين الفرص ليحظى بخلوة مع زوجته على غفلةٍ أو غيابٍ أطفالهما.
« ـ يحيا الشعب. يحيا الرقص. تحيا رحلو. قال القره تبي من مكانه غير مُبالٍ بوقار المحكمة. كررها لأكثر من مرة» ص 9.
ويمكن للقارئ البغدادي بشكل خاص وبقية القراء أن يلاحظ الكثير من العادات والتقاليد البغدادية والنكات والعبارات المميزة والوصلات الطربية لـ(البغادّة) مع تنامي الحدث الروائي الذي يسير بتماهٍ وبعضٍ من سيرة القره تبي الذي نالت صناعته كبطل استحساني واهتمامي.
«في تلك الليلة التموزية الخانقة صعد البغداديون للنوم كعادتهم إلى سطوح منازلهم الواطئة والمتراصة مع بعضها، لا يسترهم عن اسطح الجيران سوى أسوار الطابوق الواطئة.. مشهد الليل من أعلى مدينة بغداد يمتلك مقومات طقس البساطة الموحية لواحة الجمال الفطري، أو ربما تستكمل حلقة مفقودة لصورة تذكارية بالأسود والأبيض» ص 51.
تتناول الرواية فيما تتناوله بعضاً من تفاصيل مقتل العائلة المالكة في قصر الرحاب، دون التطرق إلى تفاصيل سياسية وتاريخية صادمة ودون التطرق إلى ما حصل عليه الإختلاف بين العراقيين وأثار فيهم نزعات الفرقة والخلاف بشأن الموضوع المذكور منذ مصرع العائلة وحتى اللا نهاية، فلن يتفق اثنان على ثلاثة من تفاصيل غدر العائلة المالكة أبد الدهر. ولكن تلك الرواية تجمعُ ولا تفرّق، بحُسن صناعتها وتبنيها للاعتدال ونبذها للتطرف في كل شيء، وهي من عادة روائينا خضير فليح الزيدي في رواياته.
● صناعةُ الميتاقص وبعضُ أساليبه:
يستعمل الروائي عدة أساليب يُدَعِمُ بها نصه الروائي ويجعل منها أُطُراً لحكاياته التي كونت مجموع الرواية.. ومن تلك الأساليب:
1. حكاية التاريخ:
حكاية التاريخ هو ميتاقص.. ميتاقص متخيل يجعل من الروائي شاهداً على أحداث هو ليس جزءاً منها، من منظور فني بحت بوصفه حكّاءاًً للتاريخ لا مؤرخاً له.
«بعد سنة من حادثة المجزرة، تصل الأخبار المحزنة إلى الأميرة راجحة طلقة عبد الجبار الضابط الهارب من العراق. تصاب بالمرض العضال وبالمرض القاتل وتذوب جذوة الجمال…. أيضا قيل عنها انها ماتت كمداً على حياة ذويها الذين قتلوا بطريقة بشعة في منتصف بغداد» ص 86.
2. المخطوط:
تتكلم الرواية عن مخطوطة غريبة، فيها «كشف الغاطس من تاريخ يوم واحد في الحياة العراقية بتاريخها الإشكالي، ذلك اليوم الذي انقلب به البلد من ملكي إلى جمهوري عنيف. من مسبحة وسدارة إلى بندقية وبيرية وبدلة خاكية ونجمة خماسية ونسر ذهبي» ص 73.
تلك المخطوطة هي مادة لمسرحية ستقدمها فرقة من الأبطال يقف خلفهم كادرٌ مهيأ مختص لأعمالٍ مماثلة.. وهنا يختلط الفن المسرحي والنصوص المُباشرة المُعدة للمسرحية تلك مع النص الروائي، لتنتج لنا تنوعاً في بنى الخطاب الروائي.
3. الحكايات الشعبية:
واحدة من أهم وسائل الميتاقص هي الحكايات الشعبية والأساطير المدنية، ومن الحكايات الشعبية مارواه الراوي العليم لنا عن بغداد، ليلها وملاهيها وحياة السمر والسهر والراقصات والشعراء والفنانين والمساجد والساحات والمحال وملابس الناس وأساليب الحياة فيها.
عن قصص الطناطلة وحكايات الجدات وقراء المقام ومربي الديكة والحمام وغير ذلك.
4. توظيف الغرائبية والخوارق:
لنأخذ النص التالي مثالاً لذلك: «يذكر السيد المنذري في واحدة من محاضراته، عن محور اللغة حيث يقول: لايمكن دخول اللغة في فضاء التماثل الطقسي، بل من الممكن تجسيدها حسياً في الأداء الطقسي» ص 115.
النص غريبٌ مائلٌ لخوارق اللا شعور، ويتجهُ نحو تمثيل أفكار صوفية حداثية، هي أبعد ما يمكن عن التصوف الكلاسيكي، وربما تكون من أفكار الجيل الثالث منهم.
على أن ذلك التوظيف يغيب حيناً ويظهر حيناً آخر حتى يتمثل في النهاية بنظرية (تفجير الشخصية) التي تمتاز بها روايتنا هذه دون غيرها مما وصل إلى يديّ من الروايات.
كانت رواية (الملك في بجامته) رواية متعددة الأساليب السردية منذ بدايتها، وربما سيكتب قارئ مطّلعٌ مثلي، أو ناقد مختص دارسٌ للنقد بشكل آكاديمي عنها، ليقف على عتبات النص ويجد المزيد، وينظر لها بطريقة غير تلك التي اتبعتها في كتابة مقالي هذا.
خلاصة ما وجدت في الرواية تلك انها رواية غنية، ناضجة، الأثيرة عند كاتبها (كما أعلن هو عن ذلك) والأثيرة عندي أيضاً بين رواياته كلها، على أن ما سبقها يمثل وحدة أسلوبية واحدة لمن أراد فهم وتفهُّم ودراسة أدب خضير فليح الزيدي بمعزلٍ عن غيره نموذجاً لأنماط السرد والوصف والتوصيف وأنواع الرواية في أدب العراق خلال مدة ما بعد 2003.
وهي رواية ذات رسالة قيِّمة أتمنى أن تصل إلى أيادي القرّاء جميعاً ليَعوا بعض أهدافها مما يتجلى في نص: «العباسيّ (أحد الشخصيات) حسب وجهة نظري هو رمز لعنف الشخصية العراقية وميلها دون تفكير لتنفيذ ما يريده صاحب السلطة بأي ثمن، وهو ليس من الضباط الأحرار ولا هم يحزنون» ص 79.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.