النبوة و الهداية الإلهية

النبي هو الإنسان المخبر عن الله تعالى بغير وساطة أحد من البشر، ولذا كانت النبوة سفارة بين الله وبين عباده. والحكمة الإلهية اقتضت إرسال الأنبياء لما في ذلك من مصلحة العباد وهذه المصلحة التي اقتضت النبوة وهي الهدف والغاية التي كانت لأجلها متعددة:-

• الأولى..قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)..تتحدث الآية الكريمة عن حاجة الناس إلى العدل وهو لا يتم إلا عبر وجود القانون الذي يحفظ حقوق الناس ويضع الحدود بينهم فلا يعتدي بعضهم على بعض، ذلك لأن الطبيعة الإنسانية تقتضي أن لا يعيش الإنسان وحده بل أن يندمج في حياة اجتماعية مدنية مع أمثاله من البشر،

• الثانية..قال تعالى: (كمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُون)..تتحدث الآية الكريمة عن كون تعليم الناس هو من الغايات التي لأجلها كان إرسال الرسل وذلك لأن الإنسان لا يعلم من نفسه إلا بعض ما فيه مصالح نفسه ويخفى عليه الكثير، ولذا كان الإنسان دائما في حالة اكتشاف لما هو مجهول لديه ووظيفة الرسل تعليم هذا الإنسان ما فيه صلاح نفسه سواء في هذه الدار الدنيا أو في الدار الآخرة.

• الثالثة..قال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِين) فالتزكية والتربية الصالحة هي من الغايات الأخرى التي كان لأجلها إرسال الأنبياء والرسل.

ضرورة الإيمان بالأنبياء جميعاً

لا بد للمسلم من الإيمان بنبوة جميع الأنبياء عليهم السلام وأنهم على الحق وكذلك الإيمان بطهارتهم وعصمتهم وقد ذمّ الله عزَّ و جلَّ من يؤمن ببعض الأنبياء دون بعض قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً) تبين لنا الآية أن ضرورة الإيمان بجميع الأنبياء إنما هي من جهة أن دعوة الأنبياء كانت واحدة وهي الدعوة إلى التوحيد فكأنَّ المكذّب لأحدهم مكذِّبٌ للجميع ومن جهة أخرى فإن إنكار نبوة الأنبياء هو إنكار لنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنه هو الذي أخبر عنهم وعن صدقهم فإنكار ذلك يرجع إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

بمَ يتفاضل الأنبياء عليهم السلام؟

في مقام الحديث عن تفاضل الأنبياء عليهم السلام فيما بينهم فمن الأمور التي يتفاضلون فيما بينهم على أساسه:-

• روح القدس:تبين لنا الروايات الشريفة أن روح القدس ملك عظيم جداً يؤيد الله تعالى به الأنبياء والرسل والمؤمنين، ولكن كل واحد منهم مؤيد بهذه القوة بحسب منزلته، وبحسب قربه من الله تعالى، ففي الرواية عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) قال: «خلق أعظم من جبرائيل وميكائيل كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مع الأئمة وهو من الملكوت».فروح القدس إذا هو القوة الغيبية التي يمد بها الله تعالى أولياءه، وهذه القوة الغيبية موجودة بشكل أضعف في جميع المؤمنين على اختلاف درجة إيمانهم، وهذا الإمداد الإلهي هو الذي يعين الإنسان في أداء الطاعات وتحمل الصعاب، ويقيه من السقوط في الذنوب والزلات.

• التفاضل في كونهم أصحاب شرائع:فأولو العزم هم من الرسل الذين أرسلهم الله تعالى إلى كل البشر وليس إلى أمة محددة بعينها، أفضل من الأنبياء الذين أرسلوا إلى أمة خاصة، وهم أصحاب الشرائع الأساسية،وغيرهم من الأنبياء تابع لشرائعهم.

• التفاضل في الإمامة:فالإمامة مقام من مقامات القرب من الله تعالى، فقد يكون بعض الإنبياء نبياً ولا يكون إماماً ويشهد على هذا المعنى ما ورد في قصة إبراهيم، والتي وردت في القرآن الكريم حيث يقول الله تعالى:(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) وكان هذا الأمر بعد امتحان النبي إبراهيم عليه السلام بقضية ذبح ولده إسماعيل عليه السلام، فحينها كان نبياً ولم يكن إماماً.

خلاصة لما سبق أن النبوة سفارة إلهية بين الله عز و جلَّ وعباده والهدف من النبوة إقامة العدل بين الناس عبر وضع القانون الإلهي لهم، وتعليم الناس ما فيه صلاحهم في دنياهم وآخرتهم وتربيتهم على الأعمال الصالحة، ولابد للمسلم من الإيمان بنبوة جميع الأنبياء ممن سبق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم،وتتفاوت درجات الأنبياء في الفضل، إما بشدة تأييدهم بالروح القدس، أو بخصائص النبوة في كل واحدٍ منهم، أو بعموم رسالاتهم، أو من خلال مقام الإمامة وعدمه.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.