البيئة في ظل تحديات التنمية

مِنْ المعلومِ أنَّ التنميةَ تُعَدّ إحدى الوسائل الهادفة إلى الارتقاء بالإنسان، بَيْدَ أنَّ ما جرى – وما يزال يجري – مِنْ فعالياتٍ فِي هذا الميدان، يخالف بشكلٍ تام مضامين تلك الرؤية؛ بالنظرِ لافتقارِ ما ظهر مِنْ خططِ التنمية وبرامجها إلى «الصداقة مع البيئة» بعد أنْ تحول مسارها إلى ما يمكن وصفه بأحدِ سبل النهوض الاقتصادي الَّتِي ساهمت فِي استنفادِ موارد البيئة، فضلاً عَنْ إيقاعِ الضرر بها بفعلِ ما أحدثته فِيها مِنْ ملوثات. وَليس بالأمر المفاجئ القول إنَّ محدوديةَ الموارد البيئية، وما تتعرض له مِنْ استنزافٍ بفعلِ النشاطات البشرية الجائرة والعشوائية، بالإضافةِ إلَى ما تعانيه بيئة الحياة مِنْ مشكلات، وَلاسيَّما التلوث والتدهور، أفضى إلى التأثيرِ في قدرتِها فِي تلبية حاجات الإنسان الأساسية.
المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ أغلب مشروعات التنمية المعتمدة حالياً فِي مختلفِ أرجاء المعمورة، تُعَدّ بحسبِ المتخصصين بوصفِها تنمية تفيـد الاقتصاد أكثـر مِنها البيئـة أو الإنســان؛ إذ أنَّها جرت – وما تزال تجري – بمعزلٍ عَنْ الاشتراطاتِ الناظمة للتنميةِ «البيئية»، فلا ريب أَنَّها «تنمية اقتصادية» بامتياز؛ لأَنَّها تقوم عَلَى مبدأ الاستفادة مِنْ مواردِ البيئة وتوظيفها لخدمةِ سياسات النُمو الاقتصادي، الأمر الَّذِي أدى إلى بروزِ الكثير مِن المشكلاتِ البيئية، حيث أَنَّ الفعالياتَ البشرية والتنموية ينبغي أنْ تراعي جملة مِنْ العوامل والاعتبارات الهامة فِي البيئةِ ومواردها، وَلعلَّ فِي مقدمتِها أدرك قدرة كوكب الأرض علَى تلبيةِ حاجات المجتمعات الاتصالية مِن الموارد، وَلاسيَّما مجموعة الموارد المتجددة أو غير المتجددة، ولا يستثنى مِنْ ذلك حتى المصادر المتجددة المتعرضة للتلوثِ، وَالَّتِي تحتاج للرعايةِ وما مِنْ شأنه الحفاظ عليها مِن الأضرارِ المحتملة.
لعلَّ فِي القلبِ مِنْ عوائقِ الحفاظ عَلَى البيئةِ ومحاولة تحسينها هو أنَّ الاستنزافَ والتلوث يُعَدّان فِي أغلبِ الأحيان مِنْ أبرزِ العواملِ المتلازمة والمرتبطة الأثر فِي عمليةِ تدمير البيئة والعبث بمواردِها؛ إذ أنَّهما يشتركان فِي حرمانِ الإنسان مِن المواردِ الطبيعية وتلويث بيئة الحياة وأنظمتها فِي وقتٍ واحد، فعلَى سبيل المثال لا الحصر يتعرض الوقود الاحفوري الَّذِي يُعَدّ مِن الموادِ المحدودة وغير المتجددة للاستنزاف بسببِ تزايد استهلاك الطاقة عالمياً، إلى جانبِ استخدامه بشكلٍ كبير ومكثف، ما أدى إلى تلويثِ الغلاف الجوي.
إنَّ الإرهاقَ الَّذِي تعانيه البيئة فِي عالمِ اليوم، وما تتعرض له مِنْ استنزاف، سيفضي إلى ظهورِ المزيد مِن المشكلاتِ البيئية الَّتِي يترتب عليها تهديد لسلامةِ الحياة البشرية، بوصفِها مِنْ أبرزِ المعضلات الَّتِي تواجه بيئة الحياة وأهمها؛ بالنظرِ لما لها من آثارٍ صحية واجتماعية واقتصادية، فضلاً عَنْ تداعياتٍ أخرى لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالواقعِ المتأزم للبيئة، مثل مشكلة الغذاء، المشكلة الإسكانية ومشكلة الطاقة.
تأسيساً عَلَى ما تقدم، فإنَّ العالم اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، أولهما التعايش مع البيئةِ والحافظ علَى عناصرِها، والأمر الآخر هو الإفراط فِي استنزافِها.
فِي أمَانِ الله.

لطيف عبد سالم

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.